: آخر تحديث

عبدالرحمن المطيري... أخذ بيدي من «اللطم» إلى «الحفر»!

5
4
3

محمد ناصر العطوان

في عالمنا العربي السعيد، عادة ما تكون الوزارات مثل محطة الركاب أو صالة «الترانزيت»؛ يأتي الوزير بحقيبته الأنيقة، يغير طقم السكرتارية والمستشارين، يزرع نخلتين يتيمتين عند المدخل، يطلق تصريحين عن «تحديات المرحلة الدقيقة»، ثم يغادر... ، ولسان حال الموظفين يقول: «يا رايح...»، أو في أحسن الأحوال: «الله يسهل عليه».

لكن، ولأن لكل قاعدة شواذ، ولأن الحق أحق أن يُقال، فإن السنوات العشر التي قضيتها في رحاب العمل مع عبدالرحمن بداح المطيري، تجعلني أقول بملء الفم: نحن لم نكن أمام وزير جاء «ليدير» الكرسي، بل كنا أمام رجل جاء «ليهندس» المكان... والأهم من ذلك، ليهندس «البشر» الذين يعملون معه.

اليوم، وأنا أكتب شهادتي هذه، لا أريد أن أحدثكم عن «رؤية 2035»، ولا عن الكويت التي أصبحت عاصمة الثقافة والإعلام في عام واحد، ولا عن منصة «51»، ولا عن الهوية البصرية للتلفزيون وأرشفة الذاكرة الوطنية وتطوير الدورة البرامجية، ولا عن «فيزت كويت» ولا عن الملايين التي وفرها، ولا عن إدارة الأزمات الإعلامية التي صنع أدلتها، ولا عن السياحة التي أنعشها ولا عن النهج الإستراتيجي التشاركي الذي أرسى قواعده... كل هذا كلام جميل ومهم وستكتبه الصحف الرسمية وتتغنى به التقارير يوماً ما عندما يتحول كل شيء إلى تاريخ... أنا أريد أن أكتب عن شيء آخر تماماً، شيء لا يُكتب في التقارير ولا يُرصد في الميزانيات... أريد أن أكتب عن «الأستاذية».

أكتب عن الرجل الذي عرفته وهو وكيل مساعد في وزارة الشباب، ثم مؤسس للهيئة العامة للشباب في أصعب الظروف، وصولاً لكرسي الوزارة في زمن «كورونا» المرعب، وانتهاءً بمغادرته بالأمس.. أكتب عن «الكيمياء» التي حولتني شخصياً –وكاتب هذه السطور واحد من كثيرين– من شاب يريد أن يصرخ ويلعن الظلام ويشتم الروتين، إلى رجل يتعلم كيف يمسك «شمعة» ويشعلها، أو بالأحرى كيف يمسك «فأساً» ويحفر في الصخر.

عبدالرحمن المطيري، لم يكن يعطينا «مهدئات» لنصمت، بل كان يعطينا «مساحات» لنعمل. كان يمتلك تلك الموهبة النادرة التي يفتقدها 99 % من المسؤولين العرب... موهبة «خلق مساحات التعلم». كان يرى الغضب في عيوننا، فلا يقمعه، بل يقول لك بابتسامة هادئة وواثقة: «طيب، أنت زعلان؟ ممتاز.. وريني شطارتك وحول الزعل هذا لمشروع»... هكذا ببساطة، كان يحول الطاقة السلبية المدمرة إلى طاقة بناء ومبادرة.

أتذكر أيامه الأولى، وأيامه في «كورونا» حين كان العالم ينهار والكل يرتجل، كان هو «المايسترو» الهادئ وسط العاصفة... علمنا أن الإعلام ليس «رد فعل» وصراخاً في الميكروفونات، بل هو «فعل واع» وخطوة استباقية... علمنا أن الفكرة المكتبية التي تبدو عظيمة على الورق لا تساوي حبرها إذا لم تتحول إلى «ابتكار شبابي» يلمسه الناس في الشارع.

«بويوسف»، كان يروي طموح من حوله كما يروي الفلاح زرعته... كان يفرح حين يرانا نكبر، وحين يرانا نناقشه ونختلف معه... لم يكن يبحث عن «أتباع» يهزون رؤوسهم بالموافقة، بل كان يبني «قادة» للمستقبل.

اليوم، وهو يغادر الوزارة، أنا لا أرثي منصباً فقده، فالكراسي تذهب وتأتي... أنا أحتفي بتجربة عشتها... تجربة رجل أثبت أن «نظافة اليد» لا تعني فقط ألا تسرق المال العام، بل تعني أيضاً ألا تسرق «أحلام» من يعملون معك، وألا تسرق «فرصهم» في النمو... تجربة رجل تسلمنا ونحن «مشاريع غاضبة»، وسلمنا ونحن «كوادر وطنية محترفة».

معالي الوزير «كما أحب أن أناديك»... الإنجازات التي تركتها في الوزارة عظيمة، من استوديوهات ومنصات وتشريعات... لكن الإنجاز الأعظم، الذي لن يذكره «غوغل» ولكنه محفور في صدورنا، هو تلك «المدرسة» التي فتحتها لنا، وذلك الصبر الذي علمتنا إياه، والمقاربة الإيجابية التي جعلتنا نقارب بها... وتلك النقلة التي نقلتنا بها من خانة «المتفرجين الساخطين» إلى خانة «الفاعلين المؤثرين».

شكراً لأنك لم تكن مجرد وزير مرّ في نشرة الأخبار... شكراً لأنك كنت «المعلم» في زمن عز فيه الأساتذة.

ودمت... حيثما كنت... كبيراً.

وكل ما لم يُذكر فيه اسم الله...أبتر... وكل ما لا يُراد به وجه الله... يضمحل.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد