لأسباب تعود إلى عدم رغبتنا في التقليل من الجهل، بسبب قلة الحيلة أو العجز البدني أو الذهني، فإننا نميل غالباً لاختيار أسهل التفسيرات والتبريرات لفشلنا، فمرة نتهم أو نضع اللوم على قوى الاستعمار، وتارة نتهم الشركات العابرة للقارات، وتارة أخرى نرى أن الصهيونية والماسونية، وقوى العالم السرية والشريرة، التي تجتمع سنوياً في أماكن غريبة، هي التي تريد لنا الشر، دون أن ننتبه إلى حقيقة أن بعض من وردت أسماؤهم، من مؤسسات وأفراد، من المتحكمين في العالم، تعرّضوا لخسائر وانهيارات مالية وإفلاس، مثلهم مثل غيرهم، ومع هذا لم تتقدّم «حكومة العالم السرية» لإنقاذهم!
لست بصدد نفي وجود أية مؤامرة من القوى الكبرى على الأصغر منها، والسعي لاستغلالها، فقد كان هذا، وسيبقى جزءاً من طبائع البشر، ومن الأمور المكشوفة والمعروفة، لكن لا يجب المبالغة فيها. فالتآمر لتحقيق مصلحة ما موجود في الأسرة الواحدة، والمجتمع الواحد، والدولة الواحدة، والتجمع الدولي الواحد، وهكذا، ولا يمكن التقليل من مضارها بغير العلم.
* * *
استضافت قناة CNBC العالمية مؤخراً السيدة هنّا روثشايلد Hanna Rothschild في أحد برامجها، حيث تطرقت لأمور مهمة وطريفة تتعلق بها وبأسرتها الأشهر في عالم المال منذ 250 عاماً، وناقشت دورها في سلالة روثشايلد، وإدارتها لجانب مهم من ثروة وإرث العائلة، بعد خلافة والدها، اللورد جاكوب روثشايلد، الشخصية الأشهر في أسرة روثشايلد في نصف القرن الماضي، مؤكدةً أهمية تسخير قواهم المالية والمعنوية للأعمال الخيرية في مجالات الفنون والثقافة والمجتمع. وتحدثت عن إثبات جدارتها بما يتجاوز اسم العائلة، وثقل إرثها، وتركيزها على تعليم الجيل القادم لمواصلة رسالتها الخيرية، مسلّطةً الضوء على تحديات ومسؤوليات قيادة سلالة مرهوبة الجانب، تحظى بالكثير من الاحترام، علماً بأن من الصعب نسيان دورها الخطير، مع نهاية الحرب العالمية الأولى، في «انتزاع» حق اليهود في أن تكون لهم دولة مستقلة، من بريطانيا، الدولة الأقوى في حينها، وهو الحق (!) الذي عرف بـ«وعد بلفور»، والذي ترسخ في رسالة وزير الخارجية البريطاني اللورد «بلفور» للورد «ليونيل وولتر روثشايلد»، بتاريخ 2 نوفمبر 1917.
تقول «هنّا»، في رد على سؤال عن السر وراء ثراء الأسرة، خاصة في بدايتها، فتجيب بكل أريحية وصراحة بأن الأمر لم يكن أكثر من رغبة قوية من جدها الأكبر في الخروج من «مستنقع الغيتو»، الذي كانت تعيش فيه أسرته على أطراف مدينة فرانكفورت، حيث البيوت الصغيرة المتلاصقة التي تفصلها طرقات ضيقة رطبة شديدة القذارة، لا مجال حتى لوصول أشعة الشمس إليها، والتي كانت تفتقد كل شيء، حيث الجميع مجبر على قضاء حاجته في طرقات الغيتو، التي كانت بالكاد تكفي لمرور البشر، فقوانين الدولة كانت تمنع سكانها من الخروج منها بعد الغروب، ثم وصلت الأسرة إلى ما وصلت إليه، وخلال تلك الفترة وحتى اليوم، وقبلها وبعدها بمئات السنين، كان اليهود، كغيرهم من شعوب الأرض، وسيبقون، محل تآمر واضطهاد، من الآخرين، الأكثر قوة وعلماً وبطشاً منهم. فهناك، بين اليهود، المئات من أمثال روثشايلد، مقابل الملايين من المعدمين.
أحمد الصراف

