كثيراً ما يلفت النظر عدم استمرار بعض المشاريع الصغيرة في مراحلها الأولى، إذ يتوقف بعضها خلال الأشهر الستة الأولى، نتيجة اجتهادات، ودون قراءة كافية لطبيعة السوق ومحدداته وحجم المنافسة وسلوك المستهلك.
والسبب في كثير من هذه الحالات، هو اتجاه بعض أصحاب المشاريع إلى التخطيط اعتماداً على قناعات ذهنية شخصية، مع التركيز على الفكرة كما يتصورونها، دون ربطها بسلوك السوق الفعلي، أو اختبار حجم الطلب الحقيقي، أو فهم طريقة اتخاذ القرار لدى العميل، فينشأ المشروع من تصور داخلي أكثر من اعتماده على معطيات واقعية، ويظهر ذلك مبكراً في ضعف الإقبال، واختلال التسعير، وصعوبة الاستمرار، نتيجة فجوة واضحة بين ما خُطط له وما يفرضه السوق.
وتتسع هذه الفجوة مع الانتقال إلى مرحلة التشغيل، حينما تبدأ التفاصيل اليومية في كشف هشاشة الفرضيات الأولى، ويتضح أن السوق يتحرك بإيقاع مختلف عمّا كان متوقعاً، فقرارات التسعير مثلاً، أو اختيار الموقع، وطريقة الوصول إلى العميل، وسرعة الدوران المالي، جميعها تتطلب فهماً عملياً مبنياً على بيانات وملاحظة مباشرة، وليس الحدس أو التوقعات.. وهنا تظهر أهمية مرحلة ما قبل التأسيس التي إن تم اهمالها فهو بداية الفشل لأنها تعتبر مساحة تُبنى فيها الصورة الواقعية للمشروع، ويُعاد ضبط الفكرة لتنسجم مع السوق، بما يعزز فرص الاستمرار ويمنح المشروع قدرة أعلى على التكيف والنمو.
بعض القناعات يمكن قبولها في أي سياق إلا في المشاريع، لأن السوق يتعامل مع واقع مختلف تماماً يحكمه التسويق ومزاج مستهلك يتأثر بمنصات التواصل فضلاً عن مستوى الدخل، وتغير أنماط الاستهلاك، وسرعة المقارنة بين الخيارات، وسهولة الانتقال من منتج إلى آخر، وهي عوامل تفرض على صاحب المشروع قراءة دقيقة للبيئة المحيطة، وفهماً عملياً لسلوك العميل، وربط الفكرة منذ بدايتها بهذه المتغيرات لضمان اتساقها مع السوق وقدرتها على الاستمرار.
ولو كان لي نصيحة لصاحب مشروع فعليه أن يقرأ سلوك المستهلك الذي ينظر لعوامل تختلف عن نظرة صاحب المشروع، فقرار الشراء يتشكل من عناصر تتعلق بالقيمة المدركة، وسهولة الوصول، والانطباع الأول، وتجربة الاستخدام، ومدى حضور العلامة في وعي العميل، وهي عناصر تتغير باستمرار بتأثير المحتوى الرقمي والتجارب المتداولة، مما يستدعي متابعة دقيقة وتحليلاً مستمراً يربط الفكرة بالواقع ويُبقي المشروع قريباً من السوق وقادراً على التكيف.. فالسوق يمنح إشاراته يومياً عبر التفاعل والإقبال والتكرار، ومن يلتقط هذه الإشارات مبكراً يستطيع ضبط مشروعه بمرونة، بينما يتجاهلها آخرون حتى تتراكم الخسائر، فتصبح المعالجة أصعب، ويضيق هامش التصحيح، لذلك استمرارية المشاريع الصغيرة مرهونة بفهم السوق وواقعه الجديد.

