محمد ناصر العطوان
كان يمشي في صباحٍ باردٍ على رصيف لا يُعرف اسمه، حين اقترب منه كلبٌ ضالّ، لا يحمل قلادة، ولا أي شهادة في هذا العالم الذي يقيس قيمة المخلوقات بالأوراق.
اقترب الكلب ببطء، ليس خائفاً... بل كأنه يحترم المسافة.
نظر إليه بعينين فيهما جوع قليل... وطمأنينة غريبة. ثم جلس على الرصيف كمن يقول:
«لا أريد أذى... فقط أريد أن أفهم هل أنت بشر؟ أم مجرد عابر آخر؟».
وقف الرجل ينظر إليه... هذا الكلب الضالّ – الذي ينام في الأزقة ويتغذى على الفتات – كان يحمل في جلسته التي تشبه الانحناءة درساً في الذوق أكثر مما يحمله كثير من الناس.
لم يتقدم بسرعة.
لم يقفز.
لم يطالب.
فقط جلس.
ينتظر.
وكأن الحب عنده ليس اقتحاماً... بل رخصة تُعطى طوعاً.
وهذا أول درس:
(الحب لا يُنتزع... الحب يُنتظر)
مدّ له الرجل قطعة خبز كانت في جيبه.
أخذها الكلب برفق... برفقٍ يشبه الاعتذار، كأنما يخشى أن يوجعه الخبز، أو أن يزعج رغبة الإنسان في أن يشعر أنّه «الأقوى».
لم يكن الكلب جائعاً للخبز فقط... كان أيضاً جائعاً للدفء.
ولذلك بعد أن أكل، جلس بمحاذاة قدم الرجل.
لا يطلب شيئاً... يكفيه أنه وجد كتفاً تحرسه من برد الشارع.
وهذا هو الدرس الثاني:
(أحياناً يحتاج الإنسان إلى كتف، لا إلى كلام) إلى حضن، لا إلى محاضرة.
إلى وجود حقيقي... لا إلى رسائل طويلة ومحاضرات.
راقب الرجل الحيوان الضال وهو يلتصق بالأرض، كأنه يعرف أن العالم ليس مكاناً آمناً للحيوانات، ولا للبشر أيضاً.
لكن الفارق أن البشر يخفون خوفهم تحت طبقات من الغرور والكِبر، بينما الكلب يعترف بخوفه بوضوح.
وهذا الدرس الثالث:
(الخائف حين يصرح بخوفه... أشجع من المتباهي بشجاعته).
حاول الرجل أن يتركه ويرحل،
لكن الكلب مشى خلفه بضع خطوات،
توقف عند الإشارة،
نظر إليه، وكأنه يقول:
«لن أتبعك إن لم تُرد... الحب ليس مطاردة، إنه اختيار».
ثم جلس مرة أخرى، كما جلس أول مرة، على بعد خطوة... تماماً في المنطقة المحايدة بين القرب والازعاج.
وهذا الدرس الرابع:
(المسافة جزء من الحب...
اقترب بما يكفي، وتراجع بما يلزم.
فالحب الذي يخنق... مثل الهواء حين يزيد عن الحاجة).
كان الرجل مذهولاً من بساطة الأمر.
حيوان لا يقرأ كتب الفلسفة، ولا يتابع مستشار علاقة على «انستغرام»، ولا يعرف قواعد العلاقات، ولا يفهم لغة القلوب، ومع ذلك يتقن كل ما لم يعرفه الإنسان حتى الآن.
فالإنسان – الذي بنى المدن، ورفع ناطحات السحاب، واخترع الإنترنت – ما زال يفشل في أبسط اختبارات الحب... يعطي كثيراً حين يجب أن يعطي قليلاً، ويأخذ قليلاً حين يجب أن يأخذ كثيراً... ويهرب حين يلزمه البقاء، ويبقى حين ينبغي أن يمضي.
أما الكلب... فهو يعرف متى يقترب، ومتى يتركك تمشي وحدك، ومتى يجلس قربك، ومتى يكتفي بأن يرفع رأسه نحوك ليقول:
«أنا هنا... إذا أردت ألا تبقى وحيداً».
قبل أن يغادر الرجل المكان، انحنى وربت على رأس الكلب الضال.
فرفع الكلب ذيله بهدوء، رفع ذيله بهدوء... بلا حماس مفرط، وبلا وعيد، وكأنه يقول:
«لا مشكلة... يكفيني أنك فهمت الدرس».
ثم عاد إلى ركنه في الشارع. لم يحاول اللحاق بالرجل، لم يصر على المزيد من العطف، و لم ينبح طلباً للصحبة.
وبهذا أعطاه الدرس الأخير – وربما الأهم:
(الحب لا يُقاس بما نأخذه، بل بما نتركه في قلب الطرف الآخر من سكينة حين نغيب).
سار الرجل طويلاً في ذلك الصباح، وهو يفكر أن العالم كله يمكن أن يعاد بناؤه، لو أن البشر تعلّموا الحب... من كلبٍ ضالّ. وكل حب لا يُذكر فيه اسم الله...أبتر... وكل حب لا يراد به وجه الله... يضمحل.

