رشاد أبو داود
على من الدور الآن في قائمة الرئيس دونالد ترامب؟ تساؤل يجول في ذهن العالم، من قادة وسياسيين ومحللين وحتى رجل الشارع، كولومبيا أم المكسيك أم هندوراس أم إيران أم.. غرينلاند؟
بعد السيطرة على نفط فنزويلا، من دون حرب، واعتقال الرئيس مادورو، بقيت فنزويلا هي نفسها فنزويلا، ونظامها هو نفس النظام، حتى اللحظة، لكنه نظام بدون رأس وصلاحيات وسيادة وينفذ الشروط الأمريكية بخاصة ما يتعلق بالنفط. أما بالنسبة لكولومبيا ودول أمريكا اللاتينية، فقد يكتفي ترامب حالياً بتلقينها درس مادورو مع إبقاء تهديدها قائماً، عند الحاجة، وها هو رئيس كولومبيا يهاتفه ويطلب لقاءه في البيت الأبيض.
المرجح أن الدور الآن على غرينلاند. ثمة سيناريوهات عدة لتنفيذ رغبة ترامب بالاستحواذ على الجزيرة، والتي أعلن عنها بداية ولايته الثانية الحالية، وأضاف إليها الجارة كندا، من بين هذه السيناريوهات الغزو العسكري، وهذا خطير كون هذه الجزيرة تابعة للدنمارك، العضو في حلف الناتو، وتتمتع بحكم ذاتي، ما يحمل أخطار تفكيك الحلف.
السيناريو الثاني، الضغط الاقتصادي الإجباري والتهديد بـ«وإلا..» الثالث، الارتباط الحر باتفاقيات مع أمريكا على غرار جزر مارشال وميكرونيزيا وبالاو في المحيط الهادي، وهي دول ذات سيادة، أعضاء في الأمم المتحدة، وحرة في شؤونها الداخلية والخارجية – إلى حد ما - لكنها تتعاون مع أمريكا في الدفاع والأمن، وتتلقى الدعم الاقتصادي بعيد المدى ويتمتع سكانها بالعيش والعمل في الولايات المتحدة.
السيناريو الرابع، أن تسعى أمريكا لشراء الجزيرة، وهذا ما تحدثت عنه الناطقة باسم البيت الأبيض، فيما صرح وزير الخارجية ماركو روبيو أن موضوع غرينلاند على طاولة البحث، وأن «ترامب يرغب بضم الجزيرة وسنبحث الأمر مع الدنمارك الأسبوع المقبل».
مسألة الشراء ليست جديدة في طريقة تفكير أمريكية راسخة من باب الاستثمار في الجغرافيا، ففي العام 1867 اشترت أمريكا ألاسكا من روسيا بحوالي سبعة ملايين دولار، في ذلك الزمن كانت ألاسكا أرضاً متجمدة، وقد وصفت الصفقة في حينه بأنها «حماقة»، لكن الزمن كشف لاحقاً أن القرار لم يكن ارتجالياً، بل استباقياً فقد تحوّلت ألاسكا إلى كنز اقتصادي ومنصة متقدمة على حدود روسيا.
طبعاً لم يكن النفط الذي لم يكن معروفاً في ذلك الوقت، هو الدافع وراء الصفقة، بل منع الخصوم من التوسع وتأمين موقع استراتيجي على شمال المحيط الهادي، وهو مبدأ شراء المستقبل لا الحاضر، وهو المبدأ الذي ظل مترسخاً في العقل السياسي الأمريكي.
وها هي فكرة ألاسكا تعود بعد قرن إلى الواجهة، لكن في غرينلاند، وعندما طرح ترامب الفكرة بدت صادمة، لكنها لم تكن معزولة عن السياق الجغرافي السياسي المعاصر، فالصراعات الحالية تدور حول الأرض وباطنها من نفط وغاز ومعادن أكثر منها على الأيديولوجيا.
غرينلاند هي أكبر جزيرة في العالم، تقع بين المحيطين الأطلسي والمتجمد الشمالي، وتتمتع بموقع جيوسياسي بالغ الأهمية. تتبع رسمياً لمملكة الدنمارك، لكنها تتمتع بحكم ذاتي واسع منذ عام 2009، مع حق تقرير المصير مستقبلاً.
يبلغ عدد سكانها نحو 56 ألف نسمة، ويغطي الجليد 80% من مساحتها، وتمتلك ثروات طبيعية واعدة، تشمل المعادن النادرة واليورانيوم والنفط المحتمل، ما يجعلها محل اهتمام متزايد من القوى الكبرى.
أهمية غرينلاند لا تنبع فقط من مواردها، بل من موقعها الاستراتيجي في القطب الشمالي، حيث تحتفظ الولايات المتحدة بوجود عسكري منذ الحرب الباردة، ومع ذوبان الجليد وتزايد التنافس الدولي، تحولت إلى نقطة تقاطع بين الجغرافيا والسياسة الدولية.
ترامب يريد التوسع لحساب أمريكا، وعلى حساب أي كان، حليفاً أو صديقاً، ولا يكن احتراماً لأوروبا ولا لحلف الناتو، الذي طالب دوله بزيادة مساهماتها في ميزانية الحلف، وفقاً لمبدئه «أمريكا أولاً».

