محمد ناصر العطوان
في مدينة تحمل أسماء مناطقها كأثقال على ظهور أصحاب الدخل المحدود، يمشي ثلاثة رجال وراء نعش واحد، لإمرأة كانت تعطي أوامرها للثلاثة، ولا تبالي.
كل منهم يحمل صندوقاً، الأول ممتلئ بكُتبٍ، مكتوب على غلافها «الكاتب الكبير»، والثاني بأوراق مذيلة بختم مجلس الوزراء، موجه إلى معالي «الوزير»، والثالث بمفتاح ذهبي لخزينة تحمل اسم «التاجر الملياردير».
أما الكاتب الكبير، فكلما سأله الفقراء عن سر بؤسهم، كتب رواية جديدة بلغة لا يفهمونها، كان يُرَّقِص الحروف على ورق باهظ وغالي الثمن، بينما أبناء الضواحي يرسمون أحلامهم على جدران الجمعيات التعاونية.
حين مات، تحولت كتبه إلى رماد في صندوقه، ووجدوا بين السطور قطعة ذهبية كتب عليها «هذا كل ما تبقى من ضميري».
أما الوزير، فكلما زادت ديون البلاد، زادت صورته حجماً على لافتة «الإنجاز»ـ وزادت صوره على صفحات الجرائد، كان يُوقع على قضايا الدخل المحدود بخط أنيق، ويختمها بعبارة «وتفضلوا بقبول فائق الاحترام والتقدير».
حين مات، تحولت أوراقه إلى صحائف بيضاء، ووجد في جيبه رسالة من أم مغدورة «لم تترك لنا خياراً سوى الدعاء عليك».
أما التاجر الملياردير، فكلما سمع صرخة عامل سقط من على السقف، زاد عدد فنادقه، كان يشتري البحر والجبال، ويبيعها قطعاً لمن لا يعرفون أن الهواء أصبح ملكية خاصة، حين مات، تحول المفتاح الذهبي إلى قطعة حديد صدئة، وانكشف أن الخزينة ممتلئة بأوراق مكتوب عليها «هذه أرواح العمال الذين بِعتُهم».
وفي اللحظة الأخيرة وأمام باب لا يدخله إلا العراة، أمرهم الحارس:
«اخلعوا نياشينكم، ولا قيمة لألقابكم».
فوقفوا حفاة، مجردين من حروفهم وأختامهم ومفاتيحهم.
الكاتب ألقى صندوق الرماد،
والوزير مزق الصحائف،
والتاجر رمى المفتاح في وجه الريح.
دخلوا...
ولم يبق إلا ثلاثة أسئلة على الباب:
ماذا جئت به للجياع؟!
كم ظلماً حملت على ظهرك؟!
هل كسوت نفسك قبل أن تكسو عُريك؟!
وكل ما لم يُذكر فيه اسم الله... أبتر... وكل ما لا يُراد به وجه الله... يضمحل.