: آخر تحديث

يومياتي في مانشستر.. الفن المسافر

3
2
2

«المسرح أعظم أشكال الفنون جميعًا؛ لأنه أكثر الطرق مباشرة التي من خلالها للإنسان أن يشارك غيره معنى أن يكون إنسانًا»

- أوسكار وايلد -

في ليلة من ليالي الرياض حضرت العرض المسرحي «ترحال» بمسرح ميادين بمحافظة الدرعية.

كان العرض في نسخته الثانية ضمن فعاليات «لون صيفك» وبإشراف مباشر من وزارة الثقافة، وكانت ليلة استثنائية، فالعرض لم يكن موسيقى فحسب بل نموذج مبتكر في سرد حكاية شاب سعودي يأخذنا معه في رحلته إلى ربوع بلاده ليس ليتعرف إليها بل ليلتصق بتاريخها الأصيل.

الحكاية تراثية لكن العرض حوى تقنيات حديثة ومؤثرات بصرية مع تقنيات الإضاءة والصوت المتقدمة، التي أبرزت التنوع الفريد في تفاصيل حكاية مناطق ثرية في المملكة.

تضمن العرض المسرحي إسقاطات ضوئية ثلاثية الأبعاد، ومجسمات متحركة، وعروضًا بهلوانية حيّة وخيولًا عربية أصيلة تذكر الجمهور بأصالة تراث هذا الوطن.

جاءت الموسيقى مستوحاة من الفلكلور المحلي، في دعم لإبراز هوية هذا الوطن.

وسط اندماجي بالعرض المسرحي تذكرت حضوري قبل أشهر لحفل موسيقي في مانشستر اسمه الفصول الأربعة للموسيقار «أنطونيو فيفالدي»، وهي مجموعة من أربعة «كونشرتو كمان» كل مقطع يشير إلى فصل من فصول السنة.

ألّف فيفالدي هذه الموسيقى عام 1723 ونشرها عام 1725 ضمن العمل الثامن له بعنوان (المنافسة بين التناغم والإبداع).

كان المسرح بسيطًا داخل كنيسة تاريخية مضاءة بالشموع، لكنه لم يكن مجرد حفل موسيقي، بل رحلة عبر الزمن أعادتني إلى الباروك الأوروبي، ثم حملتني إلى حاضر يحتفي بالفن كغذاء يومي للروح.

رغم اختلاف المكانين (الرياض - مانشستر)، إلا أن لغة الفن واحدة، فالفن يتكلم بلغة عالمية توصل المشاعر بلا ترجمة.

الفرق الذي شعرت به هو إحساسي بالمكان حيث أعادني «ترحال» إلى جذور الهوية السعودية، وحملتني الموسيقى والكلمات على بساط من المحبة لتاريخي وأرضي، بينما كنت في قاعة العرض الموسيقي في مانشستر أستمتع بالموسيقى وجمالها بدون أية مشاعر مرتبطة بأرض بريطانيا.

في الرياض اختلطت مشاعري بين الاستمتاع بالموسيقى والعرض المسرحي ونشوة ولادة المسرح السعودي من جديد بثوب الحرية.

كان «ترحال» نموذجًا فخمًا في المحتوى والعرض وكان المسرح رمزًا للنهضة والتحول، لذلك من المهم أن نحيي في أولادنا الرغبة في حضور الفن الراقي في المسارح لأنه ليس ترفيهًا بل تجربة نفسية ثقافية واجتماعية متكاملة ترفع جودة الحياة وتغذي الروح.

الحضور في المسرح تجربة حسية كاملة لا تقارن بحضور الحفل الموسيقي في المنزل مثلًا؛ لأن المسرح تجربة جماعية مليئة بالطاقة والعاطفة بينما الحضور المنزلي تجربة فردية.

لقد حملني الفن في مسرح ميادين في الرياض إلى أعماق هويتي، بينما شهدت في مسرح مانشستر البسيط اتساع العالم، وبين الرياض ومانشستر أدركت أن الموسيقى والمسرح والفنون ليست سوى لغة واحدة، تختلف لهجاتها لكنها تخاطب القلب ذاته.

ما بين ترحال الرياض وموسيقى الفصول الأربعة في مانشستر، اكتشفت أن الفن ليس مجرد عرض على خشبة، بل هو مرآة تعكس هويتنا وتحولاتنا، وجسر يعبر بنا من محليتنا إلى العالم.

في كل مدينة هناك موسيقى مختلفة، لكن القلب يعرف كيف يرقص على الإيقاعين معًا رقصة الحب للجمال والإبداع.

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد