: آخر تحديث

بعبع الفساد

4
4
3

يعتبر نظام الجمعيات التعاونية، ربما النشاط الكبير الأخير الذي لم تطُله يد الدولة، خاصة أن الحكومة هي آخر الجهات قدرة على إدارتها، بعد أن فشلت، طوال نصف قرن، حتى في اختيار من يديرون الجمعيات بصورة مؤقتة، لحين انتخاب مجالس لإدارتها، فقد كانت اختياراتها غير موفقة، بحيث لم يقل فساد «المختارين» عن فساد «المنتخبين»، إلا فيما ندر. كما أن الجمعيات التعاونية تعتبر مصدر الصداع الأكبر لمسؤولي «الشؤون»، ولا يبدو أن أحداً يعلم الطريقة المثلى للاحتفاظ بوضعها الحالي وعدم خصخصته، أو منع استيلاء الحكومة عليها، وهذا يتطلب تضافر جهود مختلف الجهات للخروج بأفضل طريقة لتقليل الحرمنة بداخل هذا النظام التعاوني، الذي يفترض أن يكون مثالياً، وهو كذلك في دول الكفر، لكنه فاشل في وطن الألفَي مسجد.

بعد مرور أكثر من ستين عاماً على التجربة التعاونية، يتطلب الأمر مراجعتها وتطويرها للأفضل، ووضع قانون صارم يتصدى للمخالفات الجسيمة، بعد أن أصبحت عنوان فساد رهيب، خاصة أن حصتها من السوق الاستهلاكي قاربت الـ70%.

يمكن القول، بشكل عام، إن غالبية، إن لم يكن كل إدارات الجمعيات، ضعيفة، تحكمها البيروقراطية والروتين، وهذا أعطى فرصة لانتشار كل أنواع الفساد والمحسوبية. كما اشتهرت تاريخياً بإهدار الموارد وضعف الإمكانات، والعجز عن التحكم في المصروفات، مع شيوع الواسطات في التعيينات. كما يتطلب الأمر منها محاربة الفساد، ومعالجة القصور المتمثل في الاستغلال السيئ لنظام السلع المجانية، ووقف المغالاة في أجور الأرفف والثلاجات، ومنع ابتزاز الموردين الكبار للتعويض عن العجز والخسائر، ووضع حد لخداع شراء كميات كبيرة للحصول على المجاني أو الخصم، ثم إرجاع البضاعة للمورد، والاحتفاظ بالخصم. مع ضرورة معالجة التأخير غير المبرر في دفع ما على الجمعية من مستحقات.

كما تشكو الجمعيات من مشكلة تدخل أعضائها في انتخابات الجهات الأخرى، بهدف كسب النفوذ، وتعيين فاقدي الخبرة والكفاءة، وعدم وجود حد أدنى لمتطلبات الشهادة الدراسية لعضو مجلس الإدارة، مع افتقاد كل الجمعيات تقريباً النظافة في السوق والمخازن والحمامات.

أصبحت المؤسسات الصغيرة عاجزة عن منافسة الأحجام الأكبر منها، التي كبرت من خلال الاستحواذات والاندماجات، ومن هنا يرى الكثيرون، أن تطوير العمل التعاوني وزيادة كفاءته ومقدرته التنافسية يمكن أن يتحققا من خلال القيام بعملية دمج بينها، تحت إدارة واحدة لكل محافظة، بحيث يصبح عددها ٦ بدلاً من 75 جمعية. مع وجود اتحاد واحد يجمعها، ويكون لكل محافظة عضو يمثلها في مجلس إدارة الجمعية، يشارك في وضع سياساتها وأنظمتها، وأنشطتها الاجتماعية. ولا يمكن تخيل الوفر الذي سينتج عن الدمج، فلا حاجة مثلاً لتوظيف 75 مديراً عاماً، ولا 75 مراقباً ومحاسباً ومدقق حسابات، وهكذا.

كما يتطلب الأمر إنشاء إدارة رقابة مركزية، تتولى مراقبة تنفيذ السياسات والإجراءات التي يعتمدها مجلس إدارة جمعية المحافظة. مع اعطاء الحرية لأي مواطن في الشراء من أي جمعية، مع حفظ حقه في تسلُّم أرباحه عن مشترياته، وهذا سيزيد من المنافسة بين مختلف الجمعيات لتقديم أفضل الخدمات وجذب المتسوقين لها.

كما يتطلب الأمر إدخال الميكنة، والذكاء الاصطناعي في أعمالها، واستخدام أفضل أنظمة البيع والرقابة على المخازن، وكل هذه الأمور متوافرة في الكثير من الأنظمة المتقدمة، ولا يحتاج الأمر لغير شرائها.


أحمد الصراف


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد