: آخر تحديث

مجرد أسطورة للتأمل

8
7
6

ميسون الدخيل

في سجلات الأدب، تتردد أصداء أساطير عن القوة والطموح والخيانة، تُذكرنا بأحداث تقع تحت أنظارنا اليوم، والقصة التي أوردها هنا ليست في أي من هذه السجلات لكن مستوحاة منها، حيث تدور أحداثها في إمبراطورية سميتها «أمريفاليس»، أردت استخدامها عدسةً للتأمل والمقارنة والإسقاط على أحداث من تأثير القوى الخفية للتحكم بشعب أقوى دولة في العالم؛ من خلال السيطرة على قائدها بتأثيرات خفية، تحيده عن واجبه في خدمة مواطنيه وتطلعات العالم. ففي الخفاء وفي العلن، تتحرك هذه الجماعات المتلاعبة (الصهيونية والمتصهينة) لتستغل الخوف من التهديدات كما تستغل الغرور والطموح، للوصول إلى الفوضى والانقسام ليصب في صالح أجنداتهم. وأنت تقرأ، فكر بالأحداث الجارية في مختلف أنحاء العالم من تأثيرات مدمرة للصهيونية، وكيف تؤثر قرارات من هم في السلطة هناك في حياة عدد لا يحصى من الشعوب التي تعاني من الحروب والدمار والإبادة، وماذا يحدث عند إسكات أصوات الكثيرين بطموحات القلة، لتكن هذه القصة بمثابة مرآة تعكس واقعا، لربما نفكر كيف يمكن أن نسهم في كشف الحقائق. في الزمن الماضي كانت هناك أرض تدعى «أمريفاليس»، تشتهر بعلومها وقوتها وثقافتها الغنية وتجارتها المزدهرة، حكمها زعيم يدعى «إليسيون»؛ جاذبيته وقوته فازت بقلوب شعبه، لكن كان هناك ظل يلوح في الأفق على عهده، همست مجموعة سرية تعرف باسم «المختارون» في أذنه، وزرعت بذور الوهم بأنه المنقذ الذي تنبأت به نصوصهم القديمة، وزعموا أنه كان مقدرا له الدفاع عنهم ضد جميع الأعداء، حتى على حساب رعاياه. قبل «إليسيون»، كانت «أمريفاليس» بقيادة حاكم حكيم ويقظ يدعى «لينديوس»؛ الذي طالما أدرك التأثير الخبيث للمختارين، لقد رأى كيف أن همساتهم الخبيثة ألغت قلوب الناس وزرعت الفتنة بينهم، لقد حاول مرارا وتكرارا في خطبه أن يحذر رعاياه منهم، وحثهم على البقاء يقظين وموحدين ضد قوى الظلام التي سعت إلى التلاعب بهم، بل حاول أيضًا أن يوقف تحركاتهم للتغلغل في وسط دائرة السلطة للتحكم والتوجيه، لكن المختارون، البارعون في نسج شبكة الخداع، شعروا بتهديد «لينديوس»، ومع استمراره في حشد الدعم ضدهم، نما يأسهم، وفي إحدى الليالي المشؤومة، تم اغتياله داخل عربته الخاصة، وحزن الناس، وسجي موته بالغموض لأن الظروف الحقيقية لوفاته دفنت معه، وتركتهم في الظلام حول الخطر الحقيقي الكامن في وسطهم. بعد وفاة «لينديوس» بزمن ليس بعيد، اعتلى «إليسيون» الزعامة، غير مدرك للظلال التي ابتلعت سلفه. اقترب منه المختارون، وغذوه بحكايات العظمة والقدر، وأقنعوه بأنه المخلص المتنبأ به، قاموا بلف الأساطير القديمة، مرددين حكاية «هيراكليس»، وفهم «إليسيون» أن حكمه حق إلهي قبل كل شيء. في إحدى الأمسيات ظهرت شخصية غامضة من الحشد وضربته بسهم لكنه نجا بأعجوبة وخرج من الحادثة بإحساس الزعيم المقدس؛ فرح شعبه، معتقدين أن بقاءه يدل على تحقيق آمالهم وأحلامهم، وأشادوا به باعتباره هبة من الخالق سيقودهم إلى العصر الذهبي. وبمرور الوقت، بدأ إيمان «إليسيون» بعظمته يبعده عن الشعب الذي كان من المفترض أن يخدمه، فقد أحاط نفسه بالمختارين، الذين عززوا أوهامه، وأقنعوه بأن العالم الخارجي كان مليئا بالأعداء، فبدأ بسن قوانين عزلت «أمريفاليس»، وقطعت طرق التجارة والعلاقات الدبلوماسية، والأرض التي ازدهرت يومًا بدأت بالتراجع، وبدأ شعبها يشعر بالخذلان وخيبة الأمل، وبدأت مرحلة سقوط «أمريفاليس» وباتت في حالة من الفوضى؛ وبدأت الأصوات تتساءل: هل تم اختيار زعيم أم مجرد رجل ضائع في أوهامه؟! وفي إحدى الليالي العاصفة، وقف «إليسيون» فوق جدران قلعته العظيمة، يحدق في الأرض التي أحبها ذات مرة، حملت إليه الرياح أصوات شعبه الذين فقدوا الثقة في زعيمهم، وفي تلك اللحظة، جاءته رؤيا تذكره بالقصص القديمة للأبطال الذين سقطوا من النعم بسبب غرورهم، تجلت له حينها نتائج قراراته، كان الطريق أمامه محفوفا بالتحديات، وكان يعلم أنه يجب أن يتصرف بسرعة لإصلاح الصدع بينه وبين شعبه، فبدأ في التواصل داعيا إلى الوحدة والتفاهم، وبالطبع لم يعجب هذا التغير المختارون الذين شعروا بتذبذب ولائه؛ لقد أطعموا أوهامه لفترة طويلة ولن يسمحوا له بالتخلي عن قضيتهم، وبينما كان يقف أمام شعبه، مستعدا للكشف عن التزاماته الجديدة بخدمتهم، تدخل الظلام مرة أخرى؛ تسلل المختارون إلى القصر، مصممين على إسكاته، وما أن بدأ في التحدث، وجد خنجرًا يصوب نحوه، وللمرة الثانية لم يصب بجرح مميت. بعد أن عاد «إليسيون» إلى الوراء، أمسك بجرحه، وأدرك حينها أنه تم القذف به في لعبة مميتة، وفي قلب الفوضى تمسك بموقفه وقلبه ينبض بمزيج من الخوف والرهبة؛ فلقد فهم الآن أنهم كانوا يتلاعبون به مستخدمين طموحه ضده، ورغم الألم خرج صوته بالكاد فوق الهمس ولكنه مليء بالعزم، «لن تستلم أمريفاليس للخوف، سوف نقف جميعًا ضد الظلام الذي يهددنا»، لقد نجا من هذه المحاولة ولكن بأي ثمن؟! هل سيسمح للخوف بإملاء خياراته، أم أنه سيرتفع لمواجهة القوى ذاتها التي سعت إلى تقويضه! أسئلة كثيرة تؤرقنا كشعوب متأثرة بقرارات الدول العظمى، ننتظر أن يستيقظ قادتهم، كما استيقظ الكثير من شعوبهم، من تأثيرات اللوبي الصهيوني المتغلغل في محافلهم ويجرهم إلى أتون حروب شرسة مدمرة تأتي على أبنائهم مثلما تأتي على أبناء غيرهم، ويدركون أن ما تطلبه شعوب العالم ليس العداء بل الحق، العدل، والسلام.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد