: آخر تحديث

هل هم حقاً.. هراطقة؟؟

11
10
14

في مناسبة، ومن دون مناسبة، تظل مخزية محاكم التفتيش في تاريخ أوروبا، وفي إسبانيا تحديداً وصمة شائهة لن تزول من الذاكرة العالمية كلّها إلّا بالنسيان،.. ولكن من عنده القدرة البشرية على نسيان رواية ما زال فيها بعض الأحفاد وأحفاد الأحفاد على قيد الحياة، أما أبطال هذه الرواية السوداء، فقد تحوّلوا إلى تاريخ مدموغ بذاكرة سوداء أيضاً.. ولا تكف هذه الذاكرة عن النحيب من وقت إلى آخر.

يعود مصطلح أو وصف (هراطقة) إلى محاكم التفتيش في أوروبا، وهي تهمة تستوجب بحكم قوانين تلك المحاكم القتل أو الحرق أو الخنق، ولكن أولئك الذين كانوا يلقون هذا المصير الجبروتي.. هل هم هراطقة حقاً؟؟.. أم أنهم في لحظة وجودية ما، (اختاروا) أسلوب تفكير في حدّ ذاته مهما كان مفارقاً أو تمرّدياً لا يستحق كل هذا العنف من جانب محاكم يسيطر عليها متنفّذون في الإدانة والحكم معاً، فمن هم هؤلاء الهراطقة؟؟..

بحسب الباحثين دينيس تشيكالوف، وفلاديمير كوندراشوف، هم ناس عاديوّن، والبعض منهم كتّاب وشعراء وأطباء (.. راجع تاريخ الثقافة العالمية «إصدارات كلمة في أبوظبي»، 2014، ترجمة: عماد طحينة)، وفي الإطار العام لمراجعتك هذه للكتاب إذا أردت اقرأ ما وصفته قبل قليل بِ «المصائر الجبروتية» التي كان يهوي إلى قيعانها بشر أبرياء.. فلّاحون، أو دبّاغون، أو سائسي خيول وجدوا أنفسهم في الجحيم، جرّاء وشاية أو اشتباه،.. لمجرد اختيارهم الإسلام.

إنسانياً، وهذا هو المهم في هذه المقالة، لنترك شأن الهرطقة للمحاكم، ولننظر في هذه الرواية (صفحة ٢٥١) من تاريخ الثقافة العالمية:.. «كان أدنى اشتباه في خيانة الكنيسة، أو مجرد وشاية كاذبة، كافياً لإلقاء القبض على الشخص، ووضعه في السجن، وكقاعدة عامة في أقبية مظلمة رطبة ومحرومة من الهواء والضوء. وكانت السجون مكتظة بالمساجين الذين غالباً ما مكثوا فيها لأشهر أو سنوات دون أن توجّه إليهم تهمة. وعندما يصل السجناء إلى اليأس التام يطالبون بالمحاكمة، فوجّهت إليهم أكثر التهم عدوانية، والمبنية على الوشاية والتلفيق. وجلب الاعتراف للمتهم عقاباً شديداً، في حين جعل الإنكار منه متمادياً في الهرطقة، وعرضه لأغرب وأبدع أشكال التعذيب - على المخلعة، بالملاقط الملتهبة، وبقطرات الماء التي تتساقط لساعات طويلة على رأسه الحليق. وجر الاعتراف تحت التعذيب في أحسن الأحوال حكماً بالسجن مدى الحياة، ولكن في معظم الحالات انتظر تعيسو الحظ المصير نفسه الذي عاناه أيضاً ضحايا التعذيب وغير المعترفين بالتهم الباطلة- العقاب «الرحيم قدر الإمكان، دون إراقة دماء»- الحرق».

..في مناسبة، ومن دون مناسبة، يقرأ المرء وثائق من هذا النوع، مكشوفة ومتاحة بكل لغات العالم، وإذا أراد فبإمكانه أن يؤسس على هذه الوثائق أدباً روائياً ليس جديداً:.. أدب العقاب من دون إراقة الدم.. الخنق قبل الحرق..

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.