: آخر تحديث

تشخيص قادة أمريكيين لقرارات بايدن

10
11
11

لما كانت الولايات المتحدة تحت رئاسة جو بايدن هي السند الداعم لما ارتكبته وترتكبه إسرائيل في غزة، بدعمها عسكرياً ومالياً ودبلوماسياً، فإن موقف أمريكا صار محل الاهتمام، مع ظهور آراء تقول إن هذا التحيز المفرط لا يستند إلى مصالح الأمن القومى للولايات المتحدة ذاتها، وإن هذه الآراء هي شهادة مسؤولين كبار سابقين شغلوا أعلى المناصب في فترات مختلفة من عصور رؤساء لأمريكا.

هذه الشهادات استثارت ذاكرتي لما سبق أن مررت به من مواقف أثناء عملي مراسلاً بالولايات المتحدة لصحيفة الأهرام، ومديراً لمكاتبها في واشنطن ونيويورك.

كان منها لقائي مع جيمس بيكر وزير الخارجية السابق في أكتوبر/ تشرين الأول عام 1997، في مكتبه بمدينة هيوستون بولاية تكساس، وهو صاحب مواقف معلنة تلتزم نصاً بمصالح الأمن القومي لبلاده، في أي علاقات مهما كانت مع دولة أجنبية حتى ولو كانت من أقرب حلفائها إليها.

وفي حواري معه قال: يجب على أمريكا أن تكون أكثر حزماً تجاه تصرفات إسرائيل من عملية السلام، لأن أمريكا لها دور مباشر في هذه العملية، وإذا كانت لها مصالح استراتيجية مع إسرائيل فإن لها في الوقت نفسه مصالح في الشرق الأوسط، وهي لا تتوافق دائماً مع مصالح إسرائيل، ثم إن لها مصلحة مؤكدة في قيام السلام بين إسرائيل والفلسطينيين، كما أن سكوتنا على رفض إسرائيل مطالبنا بما يجب أن يكون عليه سلوكها تجاه السلام ليس تصرفاً يليق بقوة عظمى أو وسيط نزيه.

وحين أوفده الرئيس جورج بوش الأب وقت أن كان وزيراً للخارجية إلى الكونغرس ليلقي خطاباً موجهاً للرأي العام الأمريكي أعلن من هناك أن خلافهم مع إسرائيل هو لصالح الأمن القومي للولايات المتحدة أولاً وقبل أي شيء آخر.

وبخلاف تلك الرؤية لبيكر، كان هناك رأي لجيمس شليزنجر وزير الدفاع السابق، الذي كان يشغل هذا المنصب أثناء حرب 73، ويقول شليزنجر نادراً ما يكون هناك مبالغة في وصف نفوذ إسرائيل على سياستنا الخارجية في الشرق الأوسط، ومن نتيجة هذا الوضع كان النظر إلى سياستنا الخارجية باعتبارها متنافرة ومتقلبة. ثم إن الولايات المتحدة تفرض عقوبات على دول يقل ما تفعله كثيراً عما تفعله إسرائيل، ومع ذلك فإنها لا تتعرض للعقوبات التي ينص عليها القانون الأمريكي، وهو ما يؤدي إلى تراجع ثقة الكثيرين بأمريكا، باعتبارها تضع نفسها في موقع القوة التي تقود العالم، وهو سلوك يمكن أن يكون مقبولاً من غيرها، بينما يتعين على أمريكا الالتزام بما لديها من قوانين في علاقاتها مع كل الدول، لكنها تميز ما بين دولة وأخرى.

وهذا التشخيص من شخصيتين كان لهما دور مؤثر في السياسة الأمريكية، يعتبر في نظر كثير من المحللين في أمريكا وأوربا منطبقاً على إدارة بايدن في التصرف حيال حرب إسرائيل في غزة، وحملات الإبادة الجماعية ضد سكانها، ولعل هذا كان ضمن أسباب دعت مراكز للبحوث السياسية في الولايات المتحدة للعودة إلى مناقشات تقلب فيها بالتحديد صفحات كتاب سبق أن كان بمنزلة صرخة ضد الانحياز المطلق لإسرائيل، بما لا يتماشى مع مصالح الولايات المتحدة ذاتها.

والكتاب عنوانه «الحماس الانفعالي»، والعنوان مستخلص من تعبير قديم لأول رئيس لأمريكا وهو جورج واشنطن، عندما حذر في خطبة الوداع لانتهاء رئاسته من اتباع سياسة الحماس الانفعالي تجاه أي دولة أجنبية. موضوع هذا الكتاب كان ضمن موضوعات تضمنها كتاب سبق أن شغل الصحف ومراكز البحوث السياسية في أمريكا وعنوانه «جورج بول: وراء كواليس سياسة أمريكا الخارجية»، والذي يصف علاقة أمريكا بإسرائيل بأنها علاقة غير صحية للطرفين. وجورج بول يوصف بأنه من أكثر السياسيين تأثيراً في السياسة الخارجية من خلال عمله مع ثلاثة رؤساء حين كان يشغل منصب وكيل وزارة الخارجية، إضافة إلى فترة توليه منصب سفير أمريكا في الأمم المتحدة، وكان الرئيس كارتر على وشك تعيينه وزيراً للخارجية، لكن تراجع في آخر لحظة أمام شدة الهجوم الإسرائيلي عليه، وإن كان بول قد ظل يطلب منه التحدث في منتديات سياسية مهتمة بالشرق الأوسط، ولأنه كثيراً ما كان يوجه انتقادات لسياسة بلاده في الشرق الأوسط، ولهذا ازدادت حملات الهجوم عليه من القوى اليهودية، التي اتهمته بمعاداة السامية.

وفي كتابه دعا جورج بول إلى حل النزاع العربي الإسرائيلي عن طريق مفاوضات تؤدي إلى قيام دولة فلسطينية مستقلة وفق قرار الأمم المتحدة رقم 242، وكان يلقي اللوم على الولايات المتحدة بسبب دعمها بلا حدود لإسرائيل، تحت تأثير ضغط اللوبي اليهودي. كثيراً ما كرر في كتاباته ومحاضراته أن الولايات المتحدة ملزمة بالتدخل وبأسرع ما يمكن لإقرار السلام، ولا بد أن تصر على انسحاب إسرائيل من الأراضي التي احتلتها عام 1967.

هذه الآراء مجتمعة تقف على النقيض مع النهج السياسي لرئاسة جو بايدن، الذي اعتبره الكثيرون من رجال السياسة في الولايات المتحدة، مخالفاً لأبسط قواعد الالتزام بالمصالح الأمريكية قبل أي اعتبارات أخرى.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد