: آخر تحديث

تناقضات السياسة الأميركية في الشرق الأوسط

32
27
32

هل تستطيع الولايات المتحدة المضي في تأييد الحرب الإسرائيلية على غزة وفي الوقت نفسه تنجح في منع تمدّد النزاع إلى جبهات أخرى ونشوب حريق إقليمي كبير؟
 
الجولة الأخيرة لوزير الخارجية أنتوني بلينكن على المنطقة هذا الأسبوع كانت بهدف منع نشوب حرب إقليمية، من خلال اقناع إسرائيل بتغيير نمط عملياتها في غزة وجعلها أقل عنفاً، لا سيما تقليل الخسائر في صفوف المدنيين، والسماح بدخول كميات أكبر من المساعدات إلى القطاع الذي تزداد فيه حالات الجوع وتفشّي الأمراض بفعل نزوح 85 في المئة من سكانه إلى أضيق مساحة في الأرض تكاد تقتصر غزة كلها على منطقة رفح.
 
ومن قبيل المغريات، حمل بلينكن معه إلى المسؤولين الإسرائيليين رغبة الدول التي زارها قبل تل أبيب، في المشاركة بدور في إعمار غزة بعد توقف الحرب، لكن في سياق فتح أفق سياسي للفلسطينيين ينتهي بإقامة دولتهم المستقلة.
 
لم يطالب بلينكن إسرائيل علناً بوقف النار أو بهدنة وإنما بالانتقال إلى مرحلة من الحرب لا تتسبب بسقوط هذا العدد الكبير من الضحايا بين المدنيين الفلسطينيين. وكانت تلك محاولة من واشنطن كي تتجنّب الاصطدام المباشر مع الحكومة الإسرائيلية.
 
وللعلم، انّ الرئيس الأميركي جو بايدن يبدو أحياناً وكأنّه يتبنى نبرة أكثر حدّة في مخاطبته لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، من قبيل تخييره مثلاً بين الرضوخ لإرادة الوزيرين المتطرّفين في حكومته إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، أو سلوك سياسة ترضي الولايات المتحدة.
 
لا بدّ وأن يكون بلينكن قد نقل فحوى كلام بايدن إلى المسؤولين الإسرائيليين، على رغم حرصه في مؤتمراته الصحافية على تكرار وقوف واشنطن خلف الدولة العبرية حتى تحقيق أهداف الحرب. ويستخدم بلينكن عبارات في غاية الديبلوماسية عندما يتحدث عن "الأفق السياسي" وعن ضرورة عدم مضي إسرائيل في "تقويض" السلطة الفلسطينية عبر لجم اعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية وأهمية دفع إسرائيل الضرائب المستحقة للسلطة، من أجل أن تتمكن الأخيرة من دفع رواتب موظفيها، خصوصاً قوات الشرطة الفلسطينية.
 
كل هذه اللغة لا تزال بعيدة عن مقاربة واقع متفجّر يمكن أن يقود إلى اشتعال إقليمي واسع. إنّ كل يوم تتواصل فيه الحرب في غزة يحمل معه احتمالات التفجير الأوسع، من لبنان إلى سوريا والعراق واليمن.
 
ولا تسهى هذه الفرضية عن بال المسؤولين الأميركيين ويدركونها جيداً. وعلى رغم أنّهم يجازفون بتوسيع الحرب، من خلال تمسّكهم بعدم الدعوة إلى وقف النار والمضي في مناشدة إسرائيل السماح بإدخال المساعدات الإنسانية، بلا جدوى، بشهادة المنظمات الإغاثية.
 
وهذا منسق فرق الطوارئ الطبية لمنظمة الصحة العالمية في غزة شون كيسي يقول الثلثاء الماضي في مؤتمر صحافي بجنيف، إنّ المنظومة الصحية تنهار بشكل متسارع، وإن إسرائيل ترفض إدخال مزيد من شاحنات الإغاثة إلى القطاع. ويضيف: "في كل يوم تصطف قوافلنا وننتظر التصريح بالدخول، لكننا لا نحصل عليه، ثم نعود أدراجنا ونكرّر الأمر نفسه في اليوم التالي".
 
على هذا الحبل المشدود بين غزة وبين الأوضاع الساخنة في الإقليم، تمضي السياسة الأميركية، من دون أن تملك فعلاً بوصفها القوة العظمى الوحيدة، أداة ضغط على إسرائيل كي تقبل فعلاً بوقف النار والانتقال إلى البحث في مسار سياسي مع الفلسطينيين يوصل إلى حل الدولتين.
 
إنّ عملية شراء الوقت في هذا الوضع المضطرب، يمكن أن تكون مكلفة على أميركا نفسها، من حيث توريطها هي الأخرى في مستنقع الشرق الأوسط مجدداً.
 
المستفيد الوحيد من انفجار إقليمي، سيكون تنظيم "داعش" الذي بدأ يطل برأسه وسط كل هذا الإضطراب في المنطقة، من هجمات متزايدة في سوريا والعراق وصولاً إلى تفجيري كرمان في إيران.
 
ليس صحيحاً أنّ الاستمرار في حرب غزة، قد يعيد تشكيل الشرق الأوسط لمصلحة إسرائيل وأميركا. وهذا يجب ألاّ تسقطه واشنطن من حساباتها عندما تدعم إسرائيل، من دون التمعن في الخسائر التي قد تدفعها المنطقة التي تقبع على برميل بارود.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد