: آخر تحديث

القارئ الغاضب

6
6
6
مواضيع ذات صلة

في اللهجة المصرية المحببة، يقال عن الأفلام أو حتى الأغاني: «الجمهور عاوز كده»، في سياق الحديث عن نخبوية العمل الفني أو «شعبويته» إن صحّ القول. هل على مبدعي العمل ومنتجيه أن يحرصوا على الجودة والوفاء بشروط الفن الضرورية، حتى لو لم يحقق العمل الانتشار المنشود وسط الجماهير المتلقية، أم عليهم الخضوع للمزاج الشعبي الذي يعجبه أكثر ما هو بسيط ومسل وساخر، وللوفاء بهذه الرغبات عليهم «الهبوط» بمستوى العمل لتحقيق انتشار أوسع؟

أيكون ممكناً الجمع بين الأمرين: الحرص على جودة العمل ورقي مستواه، لكن بطريقة تجعله قادراً على الوصول إلى الجمهور، فيتقبله ولا ينفر منه؟

هذا يتطلب قدرات ومهارات إبداعية لا تتوفر لدى الكثيرين، ناهيك أن هناك مستوى من الفنون «نخبوي» بطبيعته، ولا نقول ذلك على سبيل الهجاء، وإنما على سبيل المديح، أي أنه على مبدعي هذا الفن أن لا ينشغلوا كثيراً بمدى الاستجابة الجماهيرية لما يبدعونه، فالعمل الجيد قادر على فرض نفسه، وإن لم يحدث ذلك بصورة آنية، فإنه سيحدث في المستقبل، القريب منه أو البعيد.

«الجمهور عاوز كده» ليس في الفن وحده، وإنما في عالم الكتب والأدب أيضاً، ويكفي لإيضاح ذلك ملاحظة ما تحققه ما توصف بكتب «بست سيلرز»، على ما نراه في الكثير من معارض الكتب، حيث تتزاحم الجموع، خاصة من الشبان والشابات صغيري السن، أمام دور نشر مختصة بنشر أعمال يمكن وصفها بالسطحية، لأن واضعها مدون شهير على وسائل التواصل الاجتماعي.

على هذا لا يصح القياس. تظل هناك علاقة صحية بين الكاتب والقارئ الشغوف، وأذكر أني قرأت حكاية طريفة أوردها الكاتب المصري ياسر عبدالحافظ، ونشرت قبل سنوات طويلة في أحد أخبار صحيفة «أخبار الأدب»، إن لم تخن الذاكرة، عن قارئ قصد يوماً إحدى المكتبات التي اقتنى منها رواية، ورمى بالكتاب أمام البائع، وهو يقول غاضباً: لم تعجبني نهاية الرواية، كان يجب أن تكون أفضل ومختلفة، فدخل معه البائع في نقاش مطوّل يبدو أنه لم يسفر عن شيء، فما كان من البائع إلا أن رفع الهاتف متصلاً بمؤلف الرواية شارحاً له أمر القارئ الغاضب، فقرر المؤلف أن يأتي بنفسه إلى المكتبة ويلتقي القارئ، وهناك أمسك بنسخة الرواية التي رمى بها القارئ أمام البائع، وكتب بخط يده على ما تبقى من بياض صفحتها الأخيرة نهاية أخرى مختلفة هي التي أرادها القارئ، الذي راق له ذلك، وانصرف من المكتبة سعيداً وراضياً وبيده النسخة «المعدّلة».

أهي استجابة لمبدأ «القارئ عاوز كده» أم هي تأسيس لشراكة منشودة بين القارئ والكاتب؟


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد