: آخر تحديث

التغيرات الدولية وتفاوت المصالح

54
40
40
مواضيع ذات صلة

كثيرة هي المتغيرات العالمية الجارية حالياً، سواء أكانت اقتصادية أم سياسية أم استراتيجية، إلا أنها جميعاً تجد لها انعكاسات اقتصادية بعيدة المدى، حيث تأتي التغيرات التي تصاحب عمل الشركات الكبرى متعددة الجنسية لتشكل أحد أهم هذه التغيرات. ففي السابق كانت هذه الشركات تخضع بصورة كاملة لرغبات وسياسات حكوماتها، وهو ما يفسر انتهاجَها أجنداتٍ سياسيةً تعارضت في بعض الأحيان مع مصالحها المالية والتجارية، وهو ما شهدناه بصورة خاصة خلال العقد الحالي والذي أدى إلى نوع من «التمرد» للشركات فوق القومية، فاتَّبع بعضُها خطاً تجارياً يتناسب ومصالح المساهمين لتحقيق المزيد من المكاسب في ظل اشتداد المنافسة العالمية ودخول شركات جديدة إلى الأسواق.

ولهذا التطور الخاص بالفصل بين مصالح الشركات متعددة الجنسية وسياسات حكوماتها أسباب عديدة، سنتطرق إلى أهمها، فجميعها تحولت إلى شركات مساهمة عامة يملكها أفراد من مختلف بلدان العالم، وبالأخص بعد أن سهَّلت التكنولوجيا ووسائل الاتصال الحديثة من عملية التداول في البورصات الدولية، إذ بإمكان أي شخص ومن أي مكان التداولَ في هذه البورصات من مكتبه أو منزله بسهولة تامة، وهو ما وسّع كثيراً من شرائح المساهمين والتي اقتصرت سابقاً على مجموعة محدودة من كبار المساهمين.
وتزامن العامل الأول مع بروز دول ورجال أعمال وشركات من شرق العالم تملك قدراتٍ ماليةً هائلةً، وتمكنت من شراء حصص كبيرة في الشركات العالمية، واحتل ممثلوها مراكز مهمة في مجالس إداراتها وأصبح صوتهم مسموعاً ومتعارضاً مع بعض الأجندات السياسية للدول الكبرى. وبما أن أعمال هذه الشركات تُدار على أسس تجارية، فقد أصبح لزاماً عليها الانحياز لمصالح كافة المساهمين، بمن فيهم الجدد.
ومن جهة أخرى أصبحت الأعمال التي تديرها هذه الشركات خارج أوطانها كبيرة جداً وتتجاوز في كثير مِن الأحيان حجم أعمالها في وطنها الأم، مما يعني أن أي انسحاب من الأسواق الخارجية بسبب عوامل غير اقتصادية يعني تدهور أعمالها وتراجع أرباحها بصورة كبيرة، مصحوباً بغضب المساهمين فيها وانخفاض أسعار أسهمها، وهو ما قد لا تتحمله أوضاعُها المالية.
وهنا نكتفي بهذه التغيرات والتداعيات لنلاحظ امتناع بعض الشركات عابرة الحدود عن الانسحاب من بعض مناطق الحروب والصراعات مؤخراً، أو ترددها ومماطلتها رغم الضغوط التي مورست عليها، مما يعكس حجمَ التغير الذي حدث في تركيبة وإدارة الشركات متعددة الجنسية والتي أصبحت قوتها تتجاوز قوة الضغوط لتتبع مصالح مساهميها بعيداً عن أي حسابات سياسية لا تعكس أهدافَها المالية الرامية إلى تعظيم أرباحها، وهو ما سوف يتجذر في السنوات القادمة لتنأى هذه الشركات بنفسها عن النزاعات واضعةً مصالحَها على رأس سلم أولوياتها.
ويتضح ذلك من خلال العقود الجديدة التي توقعها هذه الشركات مع مختلف البلدان، بما فيها الدول العربية ودول مجلس التعاون الخليجي تحديداً، حيث يمكن الاستشهاد ببعض الأمثلة؛ ففي شهر أكتوبر الماضي وقّعت شركة «توتال انرجيز» الفرنسية اتفاقيةً مع دولة قطر تختص بشحنات الغاز الطبيعي لمدة طويلة تبلغ 27 عاماً إلى أوروبا، إذ يشكل ذلك أهمية للطرفين، حيث قال الرئيس التنفيذي لـ«توتال انرجيز»، باتريك بويان، إنه «تمكن إعادة توجيه جزء من تدفقات الغاز إلى دولة غير أوروبية، حيث نعتقد أننا وقطر سنفعل ذلك، إذا كان في مصلحتنا»، مضيفاً أن «الصفقة ملزمة للشركة، وليس لفرنسا». كما وقَّعت شركة «شل» العملاقة اتفاقيةً مماثلةً مع قطر نفسها وفي الفترة ذاتها تقريباً. حيث سينطبق ذلك على أعمال شركات أخرى بدول مجلس التعاون وفي بقية المناطق، أي الفصل بين مصالح الشركات والأجندات السياسية لدولها.
والحال أن التغيرات الدولية الجارية التي أشرنا إليها في مستهل المقال بحاجة لدراسات لفهم طبيعتها وتأثيراتها المستقبلية على علاقات دول مجلس التعاون الاقتصادية مع الدول والشركات الكبرى وتسخيرها لتحقيق المزيد من المكاسب التي تخدم مصالح دول المجلس.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد