: آخر تحديث

فرضية الحياد في الحرب الأوكرانية

24
30
29
مواضيع ذات صلة

اندلعت شرارة الحرب في أوكرانيا في الرابع والعشرين من فبراير 2022 بشن جمهورية روسيا الاتحادية عملية عسكرية محدودة قالت إن سببها حماية الأمن الروسي والدفاع عن وجود الدولة الروسية. وقائع هذه الحرب ووقعها أشد تعقيداً مما مر بذاكرة البشرية من حروب، وأكبر من أن تستدرجك لتكون نصيراً لهذا الطرف أو ذاك فحسب. والملاحظ أن مجريات هذه الحرب بمدها وجزرها، وتداخل مصالح الدول المشترِكة فيها قد غيرا مسارها؛ لتصبح حرب محاور تتجاوز مقاصدها حدود النزاع بين دولتين متجاورتين لتهدف إلى تغيير واقع قائم منذ الحرب العالمية الثانية كرس هيمنة أمريكية.

 واقع الحال على الأراضي الأوكرانية، في مظهره وفي خفاياه، يوحي بأن ثمة تحضيرا لما يمكن أن يحشر شعوب دول العالم قاطبة في تفاصيل مجرياتها، ويشركها في تقاسم نتائجها الكارثية المحتملة على الاقتصاد وتداعياتها التي يعجز خبراء العالم مجتمعين على تحديدها بدقة ولكنهم يجمعون على أنها ستغير وجه العالم؛ لأنها ببساطة حرب بين كتلتين نوويتين: روسيا من جهة وحلف شمال الأطلسي الذي اتخذ من أوكرانيا ترساً ورمحاً في آنٍ، ووجهها منذ لحظات الحرب الأولى لإلغاء الحديث عن السلام إلغاء لم يكن المقصد من ورائه إلا تحويل الحرب إلى حرب استنزاف ظهرت ملامحها منذ الشهر الأول من بداية اندلاع الحرب.

 وعلى الرغم من كل ذلك، فإن فرضية الحياد إذا جاز لنا إجراؤها في شأن الموقف من هذه الحرب الضروس لا ينبغي لها أن تحول دون أن نُسمى الأشياء بمسمياتها؛ فما تطلق عليه روسيا بالعملية العسكرية المحدودة، لم يعد كذلك، فكل صنوف أسلحة الدمار تفعل مفاعيلها على الساحة الأوكرانية، وكل أشكال الدعم الغربي لأوكرانيا التي بات من المعلوم أنها لا تُقدم لزيلنسكي وحكومته دفاعاً عن أوكرانيا، بل، كما يلهج بذلك الساسة الأوروبيون في كل محفل، إضعافاً لروسيا، و«إذلالاً» لها، وسعياً إلى تحقيق حلم غربي قديم بإنهاء الأثر الروسي في موازين السياسة الدولية. وبعد مرور أكثر من خمسمائة يوم تُظهر لنا هذه الحرب في خضم اشتعال أُواراها مجموعة من الحقائق التي لا يمكن تجاوزها أو المرور عليها مرور الكرام.

 أول هذه الحقائق هي أن مجريات هذه الحرب كانت في بدايتها تأخذ أبعاداً لا يمكن التنبؤ بها، ولكن بعد هذه الفترة الطويلة من احتدامها مضافاً إليها الحشد الغربي غير المسبوق لدعم أوكرانيا يمكن القول بأنها تذهب في اتجاه تصعيدٍ كل مؤشراته قد تقود إلى مواجهة عسكرية بين روسيا الاتحادية وحلف شمال الأطلسي. وثاني هذه الحقائق هو أنه لا يبدو أن أطراف الحرب مقتنعة بعد بعقد صفقة تُعيد السلام إلى أوكرانيا. فهل يحدث الانتصار بدون تقدم في جبهة القتال؟ والحقيقة الثالثة هي أن الرئيس فلوديمير زيلينسكي يزداد «شبقاً» باغتناء ترسانته القتالية بمختلف الأسلحة الفتاكة يوماً بعد يوم، وليس من المتوقع أن ينحو للسلام، بل إنه يدفع إلى قيام حرب عالمية ثالثة من خلال مزايداته في طلب أنواع أخرى من السلاح الثقيل من حلفائه الغربيين، سواء أكانت دولاً منفردة أم مجتمعة كتجمع الاتحاد الأوروبي أو تجمع حلف الناتو؛ ليتمكن من ضرب العمق الروسي. والحقيقة الثالثة هي أن حلف شمال الأطلسي وإن ذهب بعيداً في تسليح أوكرانيا وقدم لها الدعم اللامحدود فإنه يبدو متحدا، وإن كان لا يبدو كذلك في مواجهة روسيا، فأوكرانيا تذهب إلى تأجيج جبهات القتال وتحريض حليفاتها على التدخل المباشر في مواجهة روسيا.

 ثمة سؤالان محوريان ينبغي طرحهما اليوم، وقد أصبحت ساحة الحرب تضج بالدماء والمشردين وبتزايد غير منضبط في حجم الأسلحة الفتاكة، وهما: هل من فرصة للسلام قريبة تنهي قعقعة السلاح وتنقذ العالم من مصير مجهول؟ وعن هذا السؤال الأول يتفرع السؤال الثاني: في حال غياب فرص حقيقية لعقد أية مفاوضات سلام إلا في حال خسارة أحد الطرفين الحرب، فماذا بعد خسارة أحد الطرفين الحرب؟ هذا السؤال الثاني لن نتحصل على إجابة حقيقية عنه إلا بعد انتهاء الحرب، وستكون الكلمة الأولى فيه للمنتصر، شئنا ذلك أم أبينا، بل إن المنتصر في هذه الحرب هو الذي سيكتب تاريخها ويفرض على العالم سرديته، ألم يُقل قديماً إن التاريخ رواية لا يكتبها إلا المنتصرون؟!

 في اعتقادي، إجابة عن السؤال الأول، أن فرصة السلام لن تكون متوافرة إلا إذا أرادت الولايات المتحدة ذلك، ولكن هل تريد أمريكا ذلك فعلاً؟ شخصياً لا أظن أنها تريد السلام، على الأقل في المدى المنظور، فالرغبة المعلنة من استمرار الحرب هي إضعاف روسيا «وإذلالها»! والسؤال الذي يجب أن يطرح هنا كيف يقرر الطرفان الجلوس إلى طاولة المفاوضات، والرئيس الأمريكي نفسه الذي يُعد متدخلاً رئيسيا في هذه الحرب يقول منتشياً، أو فاقداً للتركيز، في تصريح له من العاصمة الفنلندية هلنسكي «إن بوتين خسر الحرب ولن يستخدم النووي» في حين أن ثمة رأيا آخر في البنتاغون وهو للجنرال سيمس الذي قال: «تقدم القوات الأوكرانية في الهجوم ليس سهلاً...». ثم إن كسر الإدارة الأمريكية للخطوط الحمر التي وضعتها على بعض الأسلحة وعدم شموليتها في المساعدات المقدمة لأوكرانيا، هو أيضاً منحى آخر لا ينبئ بنية حقيقية في السعي إلى السلام.

 الحرب مستمرة والسلام لا يبدو في الأفق المنظور، إلا إذا تغيرت قواعد اللعبة السياسية المنتهجة حالياً، وهذا أمر ليس من الهين حصوله، فكما أن للسلام مستفيدين من وقوعه، فإن للحرب كذلك أربابها المستفيدين منها استفادة تجعلهم المتحكمين في رقاب العالم كله، وليس من السهل إقناع من راقت له لعبة النفوذ أن يتنازل عن شيء من نفوذه، فشهوة إخضاع العالم كله لسلطان أرباب الحرب لا حدود لهما.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد