يتأسف الأستاذ عماد لعجزنا، بعد التخلص من نير الاحتلال الصدامي، عن تحقيق الكثير من الآمال والطموحات التي كنا نتمناها، بعد التحرير، ورؤية كويت جديدة، بعد أخذ العبر والدروس من الغزو، ورسم خريطة مصالحنا وحقوقنا وعلاقتنا كدولة وشعب وفق تلك الدورس والعبر، إلا أن تلك الآمال ضاعت ولم نستفد من الدروس القاسية شيئا، تقريبا، بل وعدنا أدراجنا بنفس الأخطاء في حقب زمنية وأحداث متعاقبة، دون أن تتغير استراتيجيتنا في التعامل مع الدول المحيطة والبعيدة في إطرها الثلاثة.. الخليجي أو العربي أو الدولي، ويطرح الكاتب الفاضل سؤالاً في غاية الأهمية: هل سنتغير الآن وتحديداً بعد أن تضع هذه الحرب، التي لا ناقة لنا فيها ولا جمل، أوزارها؟! هل سنغير رؤيتنا أو إستراتيجياتنا ونظرتنا وعلاقاتنا الدولية أم سننتظر حرباً أخرى أو أزمة جديدة لنعيد النظر في أوضاعنا وعلاقاتنا؟!
وللإجابة عن السؤال يقوم باستعراض أهم الملفات التي يجب أن تكون على طاولة الاهتمام الرسمي، والشعبي، فدور أهل الكويت في تقديم الرأي والنصح لحكومتهم لم يرتبط يوماً بوجود برلمان وتمثيل شعبي.
الملف الأول: العلاقة مع الحليف والصديق الأمريكي، الذي نرتبط معه باتفاقيات دفاعية، لكننا لا نعرف مضمون التزاماتها، وإطار واجباتها وحقوقها على الطرفين، ولكن بمرور الوقت وبعد هذه الحرب صار الحديث عن هذه الاتفاقية وتطوير التزاماتها وفوائدها للطرفين نقاشاً وطنياً مستحقاً وموقفاً حكومياً مطلوباً، فلا غنى لها عن اتفاقيات دفاعية مع الدول الكبرى وعلى رأسها الحليف الأمريكي، في هذا المحيط الإقليمي الهائج، والذي لا يعرف أحد ما سيكون عليه، بعد انتهاء هذه الحرب، وبقاء النظام الإيراني أياً كانت قوته وتأثيره في الإقليم!
الملف الثاني: العلاقات مع المحيط العربي، ومرارة مواقف غالبية الدول العربية، من خارج المحيط الخليجي، خلال الاحتلال الصدامي، لا تزال عالقةً في ذاكرتنا، ونحن نراها تتراقص على جراحنا وآلامنا، مؤيدة للغزو وللطاغية صدام، وها هي نفس الدول والشعوب تقريباً إن لم يكن زاد عددها، تدعم صراحة الاعتداء على دول الخليج، بسكوتها المتعمد، دون استحياء وخجل، حتى عن إدانته، مكررة الخطاب ذاته السمج المبرر للتآمر والاعتداء علينا.
بعد تحرير الكويت من الغزو الغاشم كان هناك رأيان في التعامل مع تلك الدول والشعوب، إما المقاطعة الكاملة، والآخر أكثر حكمة، حيث رأى، بسبب وجود قضايا معلقة مع عراق صدام مثل الحدود والأسرى والتعويضات، حاجة الكويت لدعم أكثر الدول لقضاياها في الأمم المتحدة لإفساح المجال لتلك الدول للتراجع عن مواقفها المُدانة وتقديم الاعتذار للكويت وإعادة الدفء للعلاقات معها.
اليوم الوضع مختلف ونحتاج له إلى تعامل مختلف، فليس لنا مصالح معلقة مع أحد، والتعامل يجب أن يكون خليجياً وموحداً بهدف اتخاذ موقف مبني على أسس موضوعية رزينة، لا كردة فعل على بعض النابحين حقداً وكراهية في وسائل التواصل الاجتماعي وهم شرذمة لا تمثل دولهم وشعوبهم.
الملف الثالث: العلاقات الخليجية – الخليجية، وهو الأهم والأكثر حيوية وإلحاحاً، فلم يعد الوضع يحتمل أي مجاملات وتأجيل واستمرار مجلس التعاون الخليجي بهذا الشكل عبء على شعوب الخليج ولا فائدة من استمراره، قادة الخليج بحاجة إلى جلسة واضحة لتحديد مصير هذا المجلس؛ للاستمرار أو الحل، وإذا كان القرار للاستمرار استشعاراً للخطر الوجودي الذي سيستمر بعد انتهاء الحرب الدائرة إذا ما خرج النظام الإيراني منها سالماً، فإن السؤال: كيف ستتعامل دول الخليج مجتمعةً، وهذا المفروض مع واقع انتهاء الحرب غداً بقرار مفاجئ من أمريكا وإسرائيل وخروج النظام الإيراني منها سالماً أياً كانت كما قلنا درجة قوته ونفوذه وتأثيره في الإقليم؟ فكما كان استهداف النظام الإيراني بالاعتداء على كل دولة خليجية على حدة مؤلماً وبائساً، فإن التعاملات الفردية لكل دولة على حدة مع هذا الواقع السياسي والإقليمي ستكون أكثر ضرراً وبؤساً، لا بد من إستراتيجية دفاع مشتركة تليها سياسة خارجية موحدة لتأتي بعد ذلك السياسات الموحدة في الاقتصاد والنفط مع إعادة الحياة بجدية كاملة لمشروع الاتحاد الكونفدرالي، فقد حان وقت الوحدة الدفاعية الكاملة بعد الحرب الأخيرة.
داخلياً: أهم ملف هو الوحدة الوطنية، لنكن صريحين، سيكون لهذه الحرب آثارها وتداعياتها في الدولة والمجتمع، فحملات المزايدة والتشكيك بالولاء والوطنية ستنطلق من شذاذ الآفاق والطائفية حتماً، فهذه الأجواء سوقهم الرئيسي الذي يتاجرون فيه، وعلى الدولة التي خطت خطوات راسخة في ملف الهوية الوطنية ولا تزال تلعب دورها في محاربة مزوِّري الجنسية والمزدوجين أن تكون يقظة وواعية لمخططات تجار الطائفية وأصحاب بيوت توزيع صكوك الوطنية، وكما استطاع الكويتيون مواجهة خطاب العنصرية والانتباه إلى مخاطره أثناء حملة الدولة على المزوِّرين للجنسية والمزدوجين حتماً هم قادرون بوعيهم وتجربتهم على مواجهة الخطاب الطائفي البغيض، إن كل مواطن شريف ووطني وليس مطلوباً من أحد تقديم الدليل على وطنيته بمقالة أو تغريدة إلى أن يثبت العكس بحكم قضائي بات عن جريمة من جرائم أمن الدولة الخاصة بالخيانة العظمى، ولنا الأسوة الحسنة في الكلمات التي تضمنت خطاب صاحب السمو أمير البلاد الشيخ مشعل الأحمد، حفظه الله ورعاه، حيث قدم الوصفة الوطنية للصمود والخطة الوطنية لمواجهة أخطار الحرب ورد الفضل لأبطالنا المدافعين عن حياض الوطن، وتأكيد سموه على قيمة الثقة بالدولة والشعب فهي الرائد والبوصلة للنصر القادم بإذن الله.
أحمد الصراف

