منذ اندلاع الحرب الخارجية المدمرة في 28 شباط (فبراير) 2026، دخلت إيران والمنطقة في مرحلة غير مسبوقة من التحولات الجذرية، لقد أدت هذه الحرب إلى تدمير واسع لآلة القمع العسكرية التابعة لنظام ولاية الفقيه، وتُوِّجت بمقتل الدكتاتور علي خامنئي، مما سدد ضربة قاصمة لقلب النظام. ومع ذلك، وكما أكدت المقاومة الإيرانية دائماً، فإننا لا نرحب بالحرب الخارجية ولا نحتفي بالتدخلات العسكرية الأجنبية. إن تحرير إيران وإسقاط الفاشية الدينية هو واجب حصري للشعب الإيراني ومقاومته المنظمة، وشرعية أي تغيير تنبع فقط من إرادة الجماهير، وليس من الجيوش الأجنبية.
في خضم هذا المشهد المعقد، وبصفتنا في قلب التحليل الاستراتيجي للمقاومة، يجب قراءة الواقع بعيداً عن الأوهام، وتحديد الثوابت والسيناريوهات التي سترسم مستقبل البلاد.
أولاً: المشهد الراهن وتأثير الحرب على الديناميكيات الداخلية
في الوقت الحالي، تهيمن الحرب الخارجية بالكامل على البيئة العامة في إيران. وطالما استمرت هذه الحرب، فإنها تلعب دوراً معاكساً للانتفاضة وللانهيار الداخلي الفوري. فالنظام، وهو يرزح تحت وطأة الضربات الخارجية، يحاول إغلاق شقوقه الداخلية والتظاهر بالوحدة للحفاظ على بقائه. ولهذا السبب، لا نشهد حالياً حرب شوارع أو احتجاجات جماهيرية واسعة، حيث طغت حالة الحرب على التحركات الشعبية الميدانية.
النظام في هذه المرحلة لا يعتمد على قوته الذاتية للخروج من هذا المستنقع، بل يعول حصراً على احتمالية توقف الولايات المتحدة وإسرائيل عن الحرب نتيجة لخلافات سياسية أو حسابات أخرى. ولكن الثابت الأهم هنا هو أن "الانسداد السياسي" الذي كان قائماً في الماضي قد كُسر إلى الأبد. لقد انتهت مرحلة الاستقرار الزائف، ونظام الملالي يعيش أيامه الأخيرة ولن يعود إلى توازنه السابق أبداً.
ثانياً: سيناريوهات ما بعد الحرب ومصير النظام
حتى لو تمكن النظام من جرّ نفسه بصعوبة إلى نهاية هذه الحرب، فإن هذا لا يعني نجاته. بمجرد أن تضع الحرب أوزارها، ستُفك عقدة الكبت، وستندلع الانتفاضة الشعبية الحتمية التي ستجرف ما تبقى من هياكل السلطة.
في ظل مقتل خامنئي، يكتنف الغموض مصير مجتبى خامنئي، فلا يزال وجهه غائباً عن الأنظار، وتتزايد الشائعات القوية حول مقتله أو إخفائه. وفي حال تأكد غيابه أو مقتله، فإن النظام سيقف أمام مسارين لا ثالث لهما، وكلاهما يؤدي إلى الهاوية:
استنساخ الدكتاتورية: الإتيان بشخصية متشددة أخرى لمحاولة مواصلة خط خامنئي والحفاظ على هيكل ولاية الفقيه، وهو خيار سيصطدم برفض شعبي عارم وانهيار داخلي.
واجهة "الاعتدال": الإتيان بشخصية تدّعي "الاعتدال" لمحاولة الإمساك بزمام السلطة، وهو ما سيؤدي تلقائياً إلى كسر قبضة الاختناق والقمع، وتجرّع كأس السم، مما يفتح الباب واسعاً أمام الجماهير لإسقاط النظام.
ثالثاً: الثوابت الاستراتيجية ودور "وحدات المقاومة"
في ظل تسارع الأحداث، أصبحت كتابة السيناريوهات الدقيقة أمراً بالغ الصعوبة، لكن الثوابت تظل راسخة. من أبرز هذه الثوابت أن النظام لن يسقط بمجرد القصف الجوي والحرب الخارجية، فإسقاط النظام يتطلب تدخلاً برياً أجنبياً، وهو أمر غير مطروح حالياً، والمقاومة ترفضه من الأساس.
هنا يبرز الدور الحاسم والتاريخي لـ"وحدات المقاومة" التابعة لمجاهدي خلق. في خضم هذه الفوضى، تفقد الحملات الافتراضية والضجيج الإعلامي الفارغ قيمتها، وتتضاعف قيمة الرصيد التنظيمي والسياسي والأيديولوجي للمقاومة آلاف المرات. وفي المقابل، تتكشف محاولات بعض الأطراف لطرح بدائل مصطنعة ووهمية، على غرار نجل الشاه، يُسعى إلى ترويجها بشكل مُفبرك عبر الفضاء الافتراضي أو بدعم من أجهزة النظام الاستخباراتية.
إن القوة التي تمتلك تاريخاً يمتد 60 عاماً من النضال في عهدي الشاه والملا، وتضم صفوفاً متراصة في "الداخل"، ولديها القدرة على توجيه مئات الكوادر للعمل في قلب طهران، هي الرصيد الأغلى للشعب الإيراني.
وكما أوضح السيد محمد محدثين في مؤتمر صحفي، فإن إسقاط النظام يتطلب قوة منظمة، مجرّبة، ومؤهلة ميدانياً، ومتجذرة داخل المجتمع الإيراني. هذه القوة متمثلة اليوم في "وحدات المقاومة" التي تنشط في جميع المحافظات منذ نحو عقد من الزمن، ونفذت نحو 3000 عملية خلال العام الماضي وحده، وقدمت أكثر من 2000 مفقود ومعتقل وشهيد خلال انتفاضة كانون الثاني (يناير) 2026.
إن "وحدات المقاومة" لا تنخرط في اشتباكات عشوائية في الشوارع، بل تتركز مهامها بذكاء وانضباط عالٍ على جمع المعلومات الاستخباراتية وتنفيذ العمليات الاستراتيجية الموجهة. وخير دليل على ذلك هو "عملية بيت العنكبوت" البطولية التي نُفذت فجر يوم 23 شباط (فبراير) 2026، أي قبل أيام معدودة من اندلاع الحرب الخارجية. في تلك العملية النوعية، قام 250 عنصراً من جيش التحرير الوطني باقتحام مجمع "مطهري" شديد التحصين في طهران، والذي كان يضم مقر إقامة الولي الفقيه ومؤسسات أمنية عليا. وقد أسفرت العملية عن استشهاد واعتقال 100 من المجاهدين، بينما عاد 150 آخرون بسلام إلى قواعدهم بعد أن كبدوا قوات الحرس خسائر فادحة. ولاحقاً، قدمت المقاومة أسماء 82 من هؤلاء الأبطال الذين استشهدوا أو اعتقلوا إلى المنظمات الدولية المعنية بحقوق الإنسان. لقد وجهت هذه العملية رسالة واضحة بوجود قوة منظمة قادرة على ضرب النظام في أكثر مراكزه تحصيناً.
هذه المرحلة الحساسة هي ما أسماه قائد المقاومة مسعود رجوي بـ"المعركة المصيرية" و"الاختبار المصيري". إن تجاوز هذا المنعطف التاريخي يتطلب جيلاً متسلحاً بالفداء والصدق، قادراً على الثبات على مبادئه، وعدم الانجرار وراء الشكوك أو التساؤلات المحبِطة التي تشتّت الطاقات.
رابعاً: رؤية المقاومة، السلام والحرية والجمهورية الديمقراطية
إنَّ المقاومة الإيرانية، التي ترفع شعار "السلام والحرية"، تقف اليوم في أعلى درجات الجاهزية لفتح الطريق نحو تحرير الشعب الإيراني بعد 47 عاماً من معاناة براثن أخطبوط الملالي.
وفي هذا السياق، جاء الإعلان التاريخي للسيدة مريم رجوي عن تشكيل "الحكومة المؤقتة" استناداً إلى خطة النقاط العشر. هذه الحكومة تمتلك برنامجاً محدداً وواضحاً يمتد لستة أشهر فقط بعد سقوط النظام، تهدف خلالها إلى حفظ الأمن، وإدارة الشؤون الجارية، وإجراء انتخابات حرة ونزيهة لتشكيل "المجلس التأسيسي".
هذا المجلس سيكون مسؤولاً عن صياغة الدستور الجديد ونقل السيادة بالكامل إلى الشعب الإيراني، لتأسيس جمهورية ديمقراطية، علمانية، تحترم وتضمن أصوات وحقوق كافة مكونات الشعب الإيراني، من الكرد واللر والبلوش والعرب والآذريين وغيرهم، دون أي تمييز.
إن نهاية نظام ولاية الفقيه قد كُتبت، وبفضل دماء الشهداء وصمود "وحدات المقاومة"، فإن فجر الجمهورية الديمقراطية آتٍ لا محالة، ليطوي صفحة الاستبداد الديني ويشرق بعهد جديد من السلام والحرية لإيران والمنطقة.


