: آخر تحديث

محكمة الجنايات الموسيقية

37
31
43
مواضيع ذات صلة


هل ينبغي للنخب الموسيقية أن تترك الفن العربي «وكالة بلا بوّاب»؟ يبدو أن الموسيقى العربية أضاعت صوابها، فضاعفت مصابها. عجباً، أيام كانت الساحات تعجّ بالأساطين، وكان لكل بلد أعلام كأنهم أعلام تشعّ من هاماتها أنوار المواهب، وكانت القاهرة كأنها مجرّةٌ حافلةٌ بعناقيد النجوم العربية، أيامَها كانت لكل قُطر عربي لجنة رقابة على المصنّفات، أيامَها كان من الطيش والعبث اقتحام الميدان بالهابط المبتذل، كان تهوّراً وخفة عقل أن تحاول الأعشاب الطفيلية ادّعاء علوّ القامة والهامة في حضرة الأشجار الباسقات السامقات الشاهقات. عجباً، حين حلّ المحاق بالأذواق وصار البغاث يستنسر بأرض الفنون، فوجئنا بأنّ القيم الفنية ومعايير الكفاءة وضوابط دخول الميدان، وكلّ المؤتمنين على حراسة قواعد اللعبة، قد تواروا حين توارى أولو الأمر، أهل الحل والعقد في الفنون.

في هذا المنعرج الفكري أومض في ذهن القلم مقترح، قال: فجر انفراج كربة الموسيقى العربية بعيد، فلا تسأل: أليس الصبح بقريب؟ الحل في ابتكار محكمة جنايات موسيقية. قلت: هل جُننت أيها العود البلاستيكي؟ هل يجرؤ شبه عاقل على جرّ النجوم الساطعة باللايكات إلى أقفاص الاتهام؟ نحن أصلاً نتشاءم من هذا الرهط من المحاكم. ثم مَن قال لك إن محكمة الجنايات الموسيقية لن تؤدي إلى كارثة، كأن تغدو أعظم سند لمن لا يملك حتى فلساً وحيداً في بورصات الفنون؟ ماذا لو رفعتَ دعوى على فلانة آسرة ملايين اللاّئكات لوْكاً والعالكين علكاً، وإذا بها تعهد بالدفاع عنها إلى عتاولة المحامين من طراز جورج بوش الابن وتوني بلير، فهما من أبرع من يجعل ابتلاع البلدان حلالاً بلالاً، فانتهاك قيم الموسيقى العربية أيسر من شربة ماء؟ ماذا لو انقلب السحر على الساحر؟

قال لا حلّ إلاّ ذاك الذي لا تصدّق، محكمة جنايات موسيقية. اليوم لا حاجة إلى مقرّ. تتشكل محكمة حقيقية مقرّها افتراضي، ومن كل بلد عربي شخصيّة موسيقية معترفٌ بقيمتها وقيمها، مثلا عمّار الشريعي من مصر، نصير شمّة من العراق، صفوان بهلوان من سوريا إلخ... في الإمكان انتقاء شخصين من كل بلد. المهزلة هي أن الوكالة بلا بوّاب باتت موضة قديمة، فلم تعد للبنيان أبواب ولا نوافذ، فلا معنى أصلاً للوكالة بلا بوّاب. أي ما معنى الوكالة وما معنى البواب؟ ما معنى المساحة الصوتية والتصنيف الصوتي والمهارات الموسيقية؟ لماذا شقاء السنين في السيمفونية التاسعة لبيتهوفن، إذا كان يكفي للعالمية ترديد: «دي دي دي»؟

لزوم ما يلزم: النتيجة التلخيصية: مفاد المثل التونسي أنك تركتها عندما كانت بَيْضاً، والآن تحاول الإمساك بها وقد صارت نسوراً؟


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد