: آخر تحديث

تساقط المدن

3
3
3

كانت هناك مدينتان تحملان اسم طرابلس. الأولى في ليبيا، والثانية في لبنان. وللتمييز بينهما سميت الأولى طرابلس الغرب، والثانية طرابلس الشام. أما لماذا ليس طرابلس لبنان، فلأنها أقرب إلى سوريا جغرافياً وزوجياً ولأن أهلها كانوا لا يزالون يعتبرون أنفسهم سوريين، ويعتبرون لبنان بلداً مشكوكاً في عروبته.

مع الوقت تغير الوضع. وأصبحت طرابلس أقل تعلقاً بسوريا، لكنها ظلت بعيدة عن لبنان. وبقيت شبه مهملة وفقيرة المظهر وبقيت خارج مشاريع التنمية والتطور، فيما العاصمة تزدهر وتتجمل.

دبّ الاهتراء في المدينة العريقة حتى أخذت عمائرها القديمة تتساقط فوق أهلها الفقراء. عمارة خلف عمارة. عائلة فوق عائلة. آخر المباني سقط الأسبوع الماضي وقتل 30 شخصاً. وهناك ألوف المباني المهددة بالانهيار وألوف البشر المهددون بالخراب والعراء. وليست هناك دولة تعترف بالأخطار السياسية والاجتماعية والعمرانية التي يشكلها بؤس المدينة. ولا جديد في الأمر، ولن يستجدّ. فالظاهرة العربية واحدة. من طرابلس الشام إلى طرابلس الغرب. وما أحلى تساقط العمائر القديمة أمام تساقط العواصم والدول والأمم. مدينتان جميلتان على المتوسط تحملان اسماً واحداً وخصائص متشابهة وتراجعاً لا يتوقف. وفي كل المشابهات تفاخر طرابلس لبنان بميزة شديدة الأهمية. هي ليست قسمة قبلية، ولا تقاسما قبلياً. حتى التقاتل ليس قبلياً، بينما لا تزال دولة من مليوني كيلومتر مربع مثل ليبيا أسيرة النظام القبلي، وهي على مسافة صغيرة من أوروبا.

طرابلس اللبنانية صغيرة الحجم، لذلك يفهم المرء أن تتعثر بنفسها أحياناً. أما طرابلس ليبيا فلديها من المساحات ما يشمل أفريقيا والمتوسط معاً. كما في رواية تشارلز ديكنز «قصة مدينتين» تجد حكاية كل المدن، هكذا تجد في حكاية طرابلس الغرب وطرابلس الشام حكاية كل العرب. شرقاً وغرباً وملحقات.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد