لا شك أننا نعيش في نظام دولي هش، يفتقد القوانين ونظام القواعد، وتختفي معه المنظمات الدولية، كأننا في عالم ما قبل عام 1945، ومع ذلك ثمة أمل يراود خرائط العالم بالاستقرار أخيراً.
ولا شك أيضاً أن الحروب الصغيرة التي تحوّلت إلى حروب كبيرة، بدءاً من فبراير (شباط) عام 2022، حين فاجأتنا روسيا بعملية عسكرية شرق أوكرانيا، حسب تسميتها المعتمدة، بينما رأت فيها أوكرانيا حرباً شاملة، صحيح أن الحرب بين البلدين تم التمهيد لها مع «الثورة البرتقالية» في أوكرانيا، حين تم تغييب الرئيس الموالي لروسيا، لصالح قيادات توالي الغرب الأوروبي والأميركي.
وصلت ذروة التمهيد باندفاع روسيا إلى ضم القرم، رسمياً، إلى الأراضي الروسية عام 2014، وتعامل معها الغرب كأمر واقع، وإن لم يعترف بها رسمياً، فكان تكرار ضم شرق أوكرانيا، الذي تقول عنه روسيا، إنه يعود إلى أراضيها في زمن القياصرة، لكن الأمر كان أبعد من هذا، في زمن ما سُمي «الاستثمار الذكي» في الحروب.
فتلك الحرب نشبت بين طرفين؛ أحدهما يمتلك أكبر ترسانة نووية في التاريخ، مما شكل دافعاً لتوسيع الحرب بين هذا الطرف النووي، والأطراف الأوروبية، والأميركية التي تملك القوة النووية نفسها، فتحولت الحرب خلال أربع سنوات، إلى حالة شد وجذب، واستنزاف متبادل للطرفين، ولا شك أن نهاية هذه العملية، وفي غياب حاسم لمجلس الأمن، والأمم المتحدة، وما يُسمى المجتمع الدولي، ستكون على طاولة مفاوضات القوى التي تملك القرار والسلاح، وثمة مؤشرات على أن الحرب في وضع «التصفية»، فقد قرر الجميع العودة إلى طاولة الحوار، وبدأت أوروبا المتشددة ضد روسيا، تعيد النظر في استئناف طرق أبواب موسكو من جديد.
كان غياب الرئيس الأميركي جو بايدن، ومجيء الرئيس دونالد ترمب، ذا تأثير عميق، جعل أوروبا وحيدة في مواجهة الكرملين، بالتالي تغيرت قواعد ومعادلات الصراع على المسرح الروسي - الأوكراني، وفي غضون أشهر قليلة، قد تتم تصفية هذه المسألة، وإعادة ترتيب الأمن الأوروبي - الروسي، على أسس جديدة.
وإذا نظرنا إلى الشرق الأوسط، فبعد أشهر قليلة من حرب الإخوة السلاف، اندلعت حرب مفاجئة في غزة، يوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، سبقتها حرب غامضة في الخامس عشر من أبريل (نيسان) عام 2023، في السودان، لكن الموقعة التي حازت أذهان الرأي العام العالمي، كانت تلك التي شنتها إسرائيل يوم الثامن من أكتوبر 2023، عقب الأحداث التي جرت في قطاع غزة في اليوم السابق، تلك الأحداث التي تناسلت، وتحولت إلى حرب إقليمية، شملت جبهات عديدة، وصلت إلى سبع جبهات حسب المفهوم الإسرائيلي، وكادت تتسع، لتشمل الشرق الأوسط بالكامل، وتتحول إلى معضلة عالمية، وكما حدث في الحرب الروسية - الأوكرانية، اندفع العالم بحثاً عن حل، وإيقاف القتال، لكنه بمرور الوقت عاد إلى سيرته الأولى، ولم ينجح في وقف الإبادة الإنسانية، والتدمير العمراني، الذي ارتكبته إسرائيل ضد قطاع غزة والفلسطينيين.
كالعادة أيضاً لم تكن هناك منظمات دولية قادرة على كبح جماح إسرائيل، وكانت هناك حسابات خاطئة من جميع الأطراف، فحين وقعت أحداث السابع من أكتوبر 2023، ظنت بعض الأطراف أن الحرب قد تستمر أياماً، أو أشهراً معدودة، نظراً للوضع الدولي في المنطقة، لكن هذه الظنون ذهبت بعيداً، فقد استمرت الحرب أكثر من عامين، واتسعت، وشملت بلداناً، لم تكن تفكر قط في الانخراط في هذه الحرب، وكأنها بدت مصادفة تاريخية غير متوقعة.
ورأينا ما الذي جرى في جنوب لبنان وسوريا والعراق، وإيران، واليمن، وذلك الخلل الذي رافق الحرب، ومحاولة تهجير الفلسطينيين من أراضيهم، لولا التصدي العربي - الإسلامي، وطرح بدائل أمام الإدارة الأميركية، التي قدمت مبادرة للسلام من 20 نقطة، أوقفت بها الحرب، ولا تزال هذه المبادرة تعمل في مرحلتها الثانية، حتى لو كانت إسرائيل لا تزال تعتدي على غزة، ولبنان، وتخترق الحدود مع سوريا، فإن الحرب دخلت حالة استنزاف، وسوف تتلاشى مع الوقت.
وقد كشفت تلك الحرب أنه لا يمكن طمس ومحو الشعب الفلسطيني، كما أن إسرائيل لن تستطيع مواجهة العالم بالكامل، وقد اكتشفت أن هناك قوة سياسية عربية - إسلامية، بدت تعطي إشارات بأنه لا ينبغي الاستمرار في صدام حضاري، يؤمن به اليمين المتطرف في إسرائيل، ويجر معه اليمين المتطرف في الغرب، وأن تكلفة هذا الصدام ليست في صالح أحد، ومن ثم فسوف نشهد نهاية لهذه الألعاب الخطيرة.
وإذا انتقلنا إلى الحرب التي وقعت بين الحربين الإسرائيلية والروسية، أي حرب السودان، فقد باتت مسرحاً لتصفية الحسابات، والبحث عن النفوذ، وأن هذه الحرب العبثية ستتوقف حين تمتلك الأطراف الداخلية الحكمة السياسية، والرشد الاستراتيجي، في حماية مقدرات الشعب السوداني، والمؤسسات الوطنية. لكن هذه الجولة العالمية من الألعاب الخطيرة ستصبح أثراً بعد عين، حتى في ظل غياب المؤسسات الدولية الرشيدة.

