ما أكثر ما يضع البعض أوراق مسودات كتبوها ولم يكملوها، في كتاب كانوا يقرأون فيه حينها، بما في ذلك مسودات رسائل كتبوها لإرسالها إلى أحد ما، على أمل العودة إليها لتنقيحها أو الإضافة عليها، أو لأنهم صرفوا النظر عن فكرة إرسالها إلى الشخص المعني لحظتها، لكنهم لم يستعجلوا في تمزيقها، وقرروا لأمر ما الاحتفاظ بها، برغبة العودة إليها مستقبلاً، فيحدث أنهم ينسون أمرها، وتظل تلك المسودة نائمة في ثنايا ذلك الكتاب الذي سيستقر على أحد رفوف مكتباتهم، أو في أحد أدراجها، فيجري اكتشافها، وبمحض المصادفة، من قبل أحدهم أو إحداهن بعد وفاة من كتبوها، أو مغادرتهم المكان الذي عاشوا فيه عندما كتبوها.
قد لا تكون لهذه المسودات أهمية تذكر، حين يجري العثور عليها بعد أن نسيها أصحابها ورحلوا، ولكنها على العكس من ذلك، تكون على درجة كبيرة من الأهمية الآتية، ليس فقط من أهمية محتواها، وإنما لأهمية الشخص الذي كتبها، وهذا ما ينطبق على الرسالة التي سنأتي على ذكرها الآن، ولفت نظرنا إليها الباحث التونسي حسونة المصباحي في كتابه عن الفيلسوف الألماني الشهير مارتين هايدغر.
الرسالة التي كتبها هايدغر ونسيها في كتاب، كانت موجهة منه إلى الفيلسوفة هانا آرندت، التي جمعته معها علاقة عاطفية استمرت طويلاً، ووصفت ب «السرية»، رغم فارق العمر بينهما الذي بلغ نحو عشرين عاماً، واللافت أن الهوى الفكري لآرندت نقيض لهوى هايدغر الذي أُخذ عليه انتماؤه، ولو لفترة معينة، للحزب النازي الألماني بزعامة هتلر، واستحسانه، يومها، للفكرة النازية، فيما وجدت آرندت نفسها مضطرة للهروب من ألمانيا لا بسبب انتمائها اليهودي فحسب، وإنما لمواقفها المعارضة للنازية بالأساس.
كان الاثنان، هايدغر وآرندت، يتراسلان بانتظام، وكان محتوى الرسائل بينهما مزيجاً من المشاعر العاطفية وتبادلاً للآراء والأفكار الفكرية والفلسفية، وبعد فترة انقطاع كتب هايدغر تلك الرسالة التي حاول فيها شرح ملابسات علاقته مع النازية لآرندت، لكنه لم يرسلها لها وأودعها في كتاب، تشاء الأقدار، أن يعيره لأحد تلاميذه النجباء ناسياً أمر الرسالة المودعة فيه، وفي عام 1990 عندما كان هذا التلميذ السابق يعيد ترتيب مكتبته، وقعت عيناه على الرسالة المثيرة للجدل، فقام بترجمتها إلى اللغة الإيطالية، كونه إيطالياً، تمهيداً لنشرها، لكن مرضاً طارئاً ألمّ به اضطره إلى تأجيل النشر، وحين تعافى بحث عن أصل الرسالة بالألمانية فلم يجده، فاكتفى بتحويل الترجمة لصديق له، هو الذي تولى نشرها، ولكن بعد وفاة من أوصلها إليه.

