: آخر تحديث

السودان وصوت العقل

17
19
23
مواضيع ذات صلة

في الوقت الذي نأمل فيه من عودة الحياة الآمنة والمستقرة في بعض الدول العربية مثل سوريا واليمن ولبنان وليبيا، تتفجر الأوضاع في السودان الشقيق بين الجيش وقوات الدعم السريع وتصل إلى مرحلة الصدام، فلم يكن متوقعاً أن تتفجر الأوضاع بهذه الصورة والسرعة، وأن يذهب السودان إلى طريق الهاوية، وهو البلد الذي عرف عنه الطيبة والهدوء والعقلانية، خاصة وهو يرى ما حدث في بعض الدول العربية حين ظهرت في ساحاتها الجماعات الإرهابية والعنفية، تدميراً وتخريباً!.

علاقتنا كشعوب في مجلس التعاون الخليجي بالسودان علاقة قديمة، وذلك من خلال رجال القانون والمحاماة والإعلام وغيرهم ممن عاش بيننا، فقد رأيناهم في دولنا وفي الكثير من الدول العربية، لذا كان خبر الصراع الدائر في السودان اليوم صدمة ومأساة يجب تداركها قبل سفك الدماء وتخريب الديار، فلم ترَ الدول التي حدثت فيها مثل تلك الأعمال سوى الخراب والدمار.

ما حدث في السودان هو شبيه لما حدث في اليمن قبل سنوات، فبعد أن وقع الصراع في اليمن بين القوى السياسية وعمت الفوضى وأنشغل الناس بالفتنة الداخلية دخلت جماعة الحوثيين إلى العاصمة صنعاء وانقلبت على الشرعية، وهو الأمر الذي عانى منه اليمنيون سنوات طويلة، ولا زالوا يدفعون الثمن، والسودان اليوم يواجه ذات الإشكالية بين الجيش وقوات الدعم السريع.

لقد عانى السودان خلال السنوات الماضية اضطراباً سياسياً قاسياً، وبدأ التراجع الاقتصادي، ووقع المجتمع في الفقر، وتدني مستوى المعيشة جراء العقوبات الاقتصادية، وكان من المتوقع أن يتم انتقال السلطة مع الانتخابات، وهي مرحلة مهمة لإنهاء الفوضى والخراب والخلاف الذي أصاب السودان، كان من المنتظر أن ينتهي الخلاف بين المؤسسة العسكرية والقوى المدنية، ولكن ما حدث أن صراعاً عنيفاً وقع بين المؤسسة العسكرية وقوات الدعم السريع، وهي مرحلة ستدفع بالبلاد إلى مستنقع من العنف والدمار.

لقد تداعت الدول العربية للوقوف مع السودان، وطالبوا الأشقاء في السودان إلى سرعة وقف العمليات العسكرية وضبط النفس، والمحافظة على المكتسبات الوطنية، وتغليب مصلحة الشعب السوداني، فالمواجهة العسكرية تعني تدمير السودان ولربما دول الجوار، ولا يمكن للقوى السياسية من احتواء الأزمة والمتحاربين قوى عسكرية، لا بد من تغليب المصلحة العليا، فليس في هذا الصراع من غالب، والخاسر سيكون السودان وشعبه، والضحايا بلا شك من العسكر والمدنيين الأبرياء.

إشكالية السودان اليوم أن فيها مؤسستين عسكريتين متوازيتين، ويملكون السلاح والعتاد، ولا يمكن من معالجة الإشكالية إلا بالحوار الصريح والمباشر، وغير ذلك فهو الدمار والخراب، فالإشكالية الواقعة هي داخل المؤسسة العسكرية بجناحيها، الجيش وقوات الدعم السريع، وليس صراعاً بين شخصيتين بارزتين مثل عبدالفتاح البرهان ومحمد حمدان دقلو (حميدتي)، وقد ظهر التباين بين المؤسستين، الأولى في دمج قوات الدعم السريع مع قوات الجيش السوداني، بينما يرى (حميدتي) تسليم السلطة إلى المدنيين، وهو الأمر الذي دفع للمواجهة بين الطرفين!!.

الصراع الدائر اليوم في السودان هو صراع كسر العظم، والإشكالية أن القوتين العسكريتين متساويتان مما يصعب من حسم الصراع بين الطرفين بالطرق العسكرية، فالثمن سيكون باهظاً، لذا الصراع الدائر اليوم لا يبشر بخير، لذا يحتاج إلى وساطات عربية ودولية لاحتواء الأزمة، والمساهمة في إنهاء الصراع.

لم نكن نتوقع يوماً أن يحدث الصراع في السودان، وخاصة بين المؤسسات العسكرية، لذا كانت صدمة أن تحدث المواجهة بين العسكريين، ففي الوقت الذي نأمل أن تستقر الأوضاع في الدول العربية التي شهدت أسوأ مراحلها منذ اندلاع (الربيع العربي)، فإذا بالجميع يرى الاقتتال في سلة الغذاء العربي (السودان)، والمؤسف ما نشاهده عبر القنوات الفضائية ووسائل التواصل الاجتماعي.

نأمل أن يعود السودان إلى وضعه الطبيعي، وأن ينعم الأخوة السودانيون بالأمن والاستقرار، فما يشاهد اليوم لا يسر الصديق ولا القريب، ونأمل أن يكون شهر رمضان والأشهر التي بعده فرصة لإعادة ترتيب البيت من الداخل، والشعب السوداني قادر بحكمة قياداته.

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد