: آخر تحديث

أي إسرائيل ستنتصر؟

19
18
22
مواضيع ذات صلة

"إسرائيلان" لا إسرائيل واحدة. أي إسرائيل ستنتصر؟ إسرائيل بنيامين نتنياهو المستعد لإهداء وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير ميليشيا خاصة به كي تبقى حكومته... أم إسرائيل القادرة على التصالح مع نفسها، أي مع الشعب الفلسطيني أوّلاً، وبالتالي مع دول المنطقة؟
 
يلفت من يتمعن هذه الأيّام في المشهد الإسرائيلي إلى ذلك الانهيار الذي تشهده دولة قدّمت نفسها، قبل سقوط التجربة اللبنانية، كنموذج للدولة الديموقراطيّة في المنطقة. كذلك، يلفت، في الوقت ذاته، إلى هذا التركيز الإسرائيلي على ضرب أهداف إيرانيّة بشكل متواصل في سوريا. يدلّ ذلك إلى وجود دولة تمتلك مؤسسات أمنيّة وقدرات عسكريّة وتكنولوجيّة متفوقة. هل سقطت إسرائيل الديموقراطيّة ذات الاقتصاد المتطور القادر على التفوق، في مجالات عدّة، في عصر التكنولوجيا؟ يبدو أن ذلك ما حدث. لم يعد في الإمكان الحديث عن إسرائيل واحدة فيها شعب واحد. يمكن الحديث عن شعبين في كيان واحد، شعبان لم يعد ما يجمع بينهما.
 
عندما يقدم رئيس الوزراء الإسرائيلي على خطوة من نوع موافقة حكومته على تشكيل "الحرس الوطني" كقوة رديفة للشرطة والجيش في إمرة وزير الأمن القومي ايتمار بن غفير، لا يعود ممكناً عندئذ الكلام عن دولة تستطيع إعطاء دروس في الديموقراطيّة. على العكس من ذلك، يمكن الحديث عن دولة تسعى للانضمام إلى المنظومة الإيرانية في المنطقة وذلك من أجل أن ينقذ "بيبي" نفسه ومستقبله السياسي وتفادي السجن.
 
مع إقرار الحكومة الإسرائيلية موازنة لـ"الحرس الوطني" كي لا يُسقط بن غفير حكومة نتنياهو، لم يعد ما يفرّق بين إسرائيل ودولة مثل لبنان. لبنان تحكمه ميليشيا وإسرائيل تحكمها ميليشيا أيضاً. لم يعد ما يفرّق بين إسرائيل ودولة مثل سوريا واقعة تحت خمسة احتلالات، بما في ذلك الاحتلال الإيراني، الذي يتحكّم بكلّ مفاصل السلطة والذي ينفّذ مشروعاً يستهدف تغيير طبيعة المجتمع السوري وتركيبة البلد نهائياً. إلى ذلك، لم يعد ما يفرّق بين إسرائيل ودولة مثل العراق لا سلطة للحكومة فيها على ميليشيات "الحشد الشعبي" التي يتحكّم بها "الحرس الثوري" الإيراني. أخيراً، ما الذي يفرّق بين إسرائيل ومنطقة يمنيّة يتحكّم بها الحوثيون (جماعة أنصار الله)، وهم ميليشيا تابعة مباشرة لـ"الجمهوريّة الإسلاميّة" في ايران؟
 
من أجل تفادي السجن، يبدو "بيبي" مستعداً للتضحية بإسرائيل نفسها. رفع شعار "أنا... أو إسرائيل" بعدما أصرّ على تعديلات تطاول استقلال القضاء. لم تثر تلك التعديلات استياءً شعبياً فحسب، بل أثبتت أيضاً وجود شعبين في إسرائيل أحدهما مع التعديلات وآخر ضدها. إلى ذلك كلّه، هناك للمرّة الأولى في تاريخ إسرائيل، منذ قيامها في العام 1948، تمرّد في صفوف المؤسسة العسكرية التي يظهر واضحاً أنّها تعترض على تغيير طبيعة الدولة وتحويلها إلى دولة في خدمة الأحزاب الدينيّة المتطرّفة.
 
فوق ذلك كلّه، لا يمكن تجاهل عمق الأزمة التي تمرّ فيها العلاقة بين إسرائيل والولايات المتحدة حيث تعترض الإدارة الأميركيّة على أي مسّ باستقلال السلطة القضائية في إسرائيل. ليس حدثاً عادياً أن يعلن الرئيس جو بايدن أنّه غير مستعد لاستقبال نتنياهو في البيت الأبيض في المدى القريب.
 
هل من وجود لإسرائيل من دون المؤسسة العسكريّة – الأمنيّة التي تبقى المؤسسة الأهمّ في تلك الدولة؟ الجواب أنّ الكلمة الأخيرة ستكون لهذه المؤسسة التي تعرف أنّ لا مجال، إلى إشعار آخر، لأيّ أزمة مع الولايات المتحدة. يعود ذلك إلى أنّ هذه المؤسّسة تدرك، قبل غيرها، أن إسرائيل وحدها لا تستطيع مواجهة التهديدات والتحديات الإيرانية من دون تنسيق عسكري وثيق مع أميركا. على سبيل المثال وليس الحصر، لا تستطيع إسرائيل التخلّص من البرنامج النووي الإيراني، هذا إذا كان لا يزال من مجال للتخلّص منه، من دون مشاركة أميركيّة فعليّة.
 
يلعب "بيبي" ورقته الأخيرة. هل هو أهمّ من إسرائيل... أم تبقى إسرائيل أهمّ منه؟ هل ينتصر على إسرائيل أم تنتصر إسرائيل عليه؟ سيكون ثمن أي انتصار يحققه الرجل باهظاً، لا لشيء سوى لأنّه سيكرس وجود دولة اليمين المتطرف التي تمتلك ميليشيا خاصة بها (الحرس الوطني) إلى جانب وجود جيش إسرائيلي نظامي قام مع إعلان الدولة على حساب العصابات الإرهابيّة. كانت هذه العصابات تعمل لحسابها وكانت إحداها وراء تفجير فندق "الملك داود" في القدس في عام 1946 في استهداف واضح لسلطة الانتداب البريطانيّة. أّدى تفجير فندق "الملك داود" إلى مقتل 91 شخصاً. وقفت خلف هذا العمل الإرهابي منظمة "ايرغون" التي كان على رأسها مناحيم بيغن. ما لبث بيغن أن أصبح رئيساً للوزراء في العام 1977.
 
يُعتبر إعلان ديفيد بن غوريون قيام دولة إسرائيل في 1948 انتصاراً للجيش النظامي على المنظمات الإرهابيّة. هل من مجال لعودة هذه المنظمات إلى حكم إسرائيل في العام 2023؟
 
يبدو مثل هذا التحوّل أمراً في غاية الصعوبة إذا أخذنا في الاعتبار الانقسام الشعبي من جهة والتمرد داخل المؤسسة العسكريّة من جهة أخرى... اللهمّ إلّا إذا قررت إسرائيل أن تكون دولة أخرى من دول المنطقة حيث الدويلة تتحكّم بالدولة. كلّ ذلك من أجل تفادي مثول بنيامين نتنياهو أمام القضاء!


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد