إيلاف من الرياض: في وقتٍ تشهد فيه المنطقة تحولاتٍ جيوسياسيةً هي الأعنف منذ عقود، انتقل الإعلام السعودي من مرحلة "نقل الحدث" إلى "صناعة الوعي الاستراتيجي"، متبنيًا لغةً تجمع بين الحزم العسكري والهدوء السياسي، مع التركيز المطلق على حماية المكتسبات الوطنية لرؤية 2030.
وفي مشهد الحرب المتصاعدة في إيران، يبلور الإعلام السعودي، الورقي والإلكتروني، خطابًا سياسيًا أقرب إلى "إدارة حربٍ طويلةٍ منخفضة الوتيرة" من كونه تغطيةً لأزمةٍ عابرة، مع تركيزٍ واضح على ثلاثة محاور: حماية الأجواء، صمود الاقتصاد، ورفض تحويل المملكة إلى ساحة تصفية حساباتٍ إقليمية.
تتعامل الصحف السعودية مع الهجمات بالمسيّرات والصواريخ باعتبارها جزءًا من "استراتيجية استنزاف" تستهدف الدفاعات الجوية الخليجية، وليست مجرد رسائل عابرة من طهران. تستشهد "عكاظ" بتحليلاتٍ مركزيةٍ غربيةٍ لتأكيد أن إيران انتقلت من الضربات الصاروخية الثقيلة إلى موجاتٍ متكررةٍ من المسيّرات ذات الكلفة المنخفضة، بهدف إنهاك منظومات الدفاع وإجبارها على استخدام صواريخ اعتراضٍ باهظة الثمن، واختبار ثغرات الرادارات. في هذا السياق، يظهر في المقالات توصيفٌ واضح للحرب الحالية كمرحلة "استنزاف دفاعي" تتطلب تحديثًا مستمرًا للمنظومات، وتكاملًا أوثق بين الدفاعات السعودية والخليجية والدولية، مع التشديد على أن حماية الأجواء ليست خيارًا فنيًا، بل قرارٌ سياسي يحدد حدود السيادة وحدّة الردع.
وبرز في صحيفتي "عكاظ" و"الرياض" خطابٌ وطنيٌّ حادٌّ يتجاوز التحليلات التقليدية، حيث ركزت الافتتاحيات على أن أمن المملكة ليس مجالًا للتفاوض.
جاء في مقال رأي لصحيفة عكاظ: "إنَّ محاولات جر المنطقة إلى أتون حربٍ لا تبقي ولا تذر، واستهداف الأجواء الخليجية بالمسيّرات، قوبل بيقظةٍ دفاعيةٍ أثبتت أن "مسافة الأمان" التي تراهن عليها قوى الفوضى قد تلاشت أمام منظومات الردع السعودية".
وفي الجانب الاقتصادي، تقدّم "الاقتصادية" وغيرها من المنصات الاقتصادية خطابًا براغماتيًا يربط بين موجة الهجمات الإيرانية وبين تحولاتٍ أوسع في أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي. تبرز مقالات الرأي أن ارتفاع أسعار النفط الناتج عن التوترات العسكرية يحمل أثرًا مزدوجًا على دول الخليج: زيادةً في العوائد النفطية من جهة، وضغطًا على مسارات الاستثمار والتنويع الاقتصادي من جهةٍ أخرى، ما يفرض إدارةً دقيقةً للفوائض المالية وتوجيهها لتعزيز التحول الاقتصادي بدلًا من الارتهان لتقلبات السوق. يتم التأكيد على أن استهداف منشآت الطاقة في الخليج يضيف بعدًا خطيرًا للحرب، لأنه يحوّلها من صراعٍ إقليمي إلى عامل اضطرابٍ عالمي يمس التضخم والركود والأسواق المالية والديون، وهو ما يضع الدول الخليجية في موقع "اللاعب الضروري" في أي ترتيباتٍ دوليةٍ لاحتواء الأزمة.
بالرغم من طابعها الاقتصادي أو التحليلي، تتقاطع هذه التغطيات مع خطابٍ سياسيٍّ واضحٍ يرفض تحويل الخليج إلى ساحة عبورٍ للأسلحة أو منصةٍ لإطالة أمد الحرب. مقالاتٌ وتحليلاتٌ في الصحافة السعودية تشير إلى أن استمرار استهداف دول الخليج من قبل إيران، بالتوازي مع ضرباتٍ أميركا مكثفةٍ للبنية الدفاعية والصناعية الإيرانية، يعزّز منطق "السعودية كطرفٍ متضرر لا كطرفٍ مشارك"، ويبرر تمسك الرياض بخيار الدفاع عن النفس دون الانخراط فيها. في الوقت نفسه، تسجّل المقالات أن تدمير أجزاءٍ كبيرةٍ من منظومة الدفاع الجوي الإيرانية وقاعدتها الصناعية العسكرية، كما يرد في تغطيات "عكاظ" لتصريحات مسؤولين من أميركا، يعيد تشكيل ميزان القوى الإقليمي، ويضع طهران أمام كلفةٍ استراتيجيةٍ مرتفعةٍ لأي استمرارٍ في استهداف دول الجوار.
وبينما انشغلت الوكالات الدولية بتأثير الحرب على أسعار النفط، ركز الإعلام الاقتصادي السعودي، مثل قناة الشرق وصحيفة الاقتصادية، على إبراز قدرة البنية التحتية السعودية على امتصاص الصدمات.
ونشرت "الاقتصادية" تقريرًا بعنوان: "نيوم والبحر الأحمر: مشاريع الحلم تواصل النمو تحت مظلةٍ دفاعيةٍ هي الأقوى عالميًا. رسالتنا للعالم: نحن لا نبني للمستقبل فحسب، بل نحميه أيضًا."
والتزم الإعلام الرسمي، متمثلًا في وكالة الأنباء السعودية "واس"، بنشر البيانات التي تعكس دور المملكة كصمام أمان، مع التركيز على "الشرعية الدولية" و"حق الدفاع عن النفس".


