: آخر تحديث
في طفولتها، كانت تختبئ تحت السرير وتتخيل نفسها عصفوراً أو فراشة

منى واصف… الفنانة السورية التي فرضت نفسها لعقود على التلفزيون والمسرح والسينما

8
8
8
مواضيع ذات صلة

منذ صرختْ: "أسعد…" في مسلسل أسعد الورّاق في سبعينات القرن الماضي، دخلتْ منى واصف إلى كل بيتٍ سوريٍّ كان فيه تلفزيونٌ يجمع أمامه نصف أهل الحيّ. 
وبعد أن تعدّت أعمالها المائتين بين مسرح وتلفزيون وسينما، لا تزال تُقدّم نفسها، على طريقة البروليتاريا: "أنا امرأةٌ عاملةٌ في مجال التمثيل!" ولا تقول: أنا نجمة، وهي الأيقونة التي إن تأمّلها الرائي البصير، استدلّ منها كيف يصنع طريقه الخاص، فرادةً، وتوازياً مع إنسانيته، خارج ضيق الإيديولوجيات.

في تحضيره لفيلم "الرسالة"، بحث مصطفى العقّاد عمّن تجسّد دور هند بنت عتبة، واقتفى نصيحةَ عبد الله غيث: "سافِر إلى الشام واعثر على منى واصف!" وكان العقّاد قد غادر وطنه سوريا عام 1956 قبل أن تسلك منى واصف درب التمثيل. نمتْ في غيابه ممثلةً محبوبة ومحترمة، لم تتجاوز شهرتها بلدها بعد، كذلك لم يعطها زوجها المخرج محمد شاهين مرّةً دور البطولة.
قدّموها إلى هذا المخرج السينمائيّ الأميركيّ القادم من هوليود. ظنّت منى واصف الأمر مزحة. وزاد عليها أوّلُ أسئلته إليها: "لماذا أنتِ شقراء؟ قد وصفوكِ لي بشعرٍ طويلٍ وأسود"، "صبغتُ شعري لكي يُشغّلوني في السينما!"، أجابته على قدر ما لم ترحها طريقته في السؤال ولا بسمته التي ظنّتْها مستهزئة. رآها العقاد في مشاهد تمثيليةٍ ناطقةٍ وصامتة، فعلتْ وجهَه نظرةُ احترام. طلب صورةً لها ليضعها في أفيش الفيلم، "وهنا أيضاً.."وأشار إلى صدره. جاؤوا لها بباروكة شعرٍ سوداء، وكحلٍ لعينيها قبل التقاط الصورة. 
بعدها قرأتْ تصريحاً للعقاد إلى مجلة "الحوادث" اللبنانية: "تتنافس نضال الأشقر وماجدة الخطيب ومنى واصف على دور هند.."، احتسبتْ. واحتفظتْ بالمجلة إلى اليوم كي تتذكّر كم حماها إيمانها بنفسها. 
لكنّ العقاد هاتفها، خاطبها بكنيتها الرسمية: "مسز واصف جيلميران، ندعوكِ لتوقيع العقد في بيروت". (وجيلميران تعني:أربعون أميراً). بالباروكة السوداء دخلت قبل موعدها بدقيقة. رأت صورتها بعينيها المتقدتين تتوسط الجدارية بين نجوم الفيلم بنسختيه العربية والإنكليزية، وهي التي لم يظهر اسمها من قبل على أي أفيش لأعمالها ما بين المسرح العسكري ووزارة الثقافة. سألها تاكفور أنطونيان، المخرج المنفّذ: "هل تخافين الخيل؟"، "لا"، أجابت، وهي التي لم ترَ حصاناً عن قربٍ، لكنها تثق بقلبها الذي لا يخشى المجهول ولا الموت، إن تطلّب الأمر ذلك. 
لم تطالب بأجر، ظنّتهم سيطلبون منها المال لقاء انتقائها، كانت تبغي فقط توقيع العقد واستلامه ممهوراً بختم الأزهر. وبعينيها رأت على الشيك رقماً تغيّر إلى ارتفاعٍ لا هبوط، ولم تعلّق. سألت فقط عمّن ستؤدّي الدور مقابلها؛ "ايرين باباس"، الممثلة اليونانية العالمية، المثقفة والمناضلة السياسية، ومؤسِّسة مدرسة تمثيل.
قبل التصوير اقترح العقاد إزالة الشامة الكبيرة عن وجهها، وعاندته بالرفض. وبعده اقتنع العقّاد أنّها ما كان يجب أن تزال، أضافتْ إلى شخص هند قسوةً في مكانها. 
بلا افتخارٍ أنها شاركت النجوم، عادت منى واصف بعد "الرسالة"لتشرع في التحضير لعملٍ جديد، مكتفيةً بشهادة إيرين بارباس: "أنت نجمة"
 
في طفولتها، كانت تختبئ تحت السرير تتخيل نفسها عصفوراً أو فراشة، وتؤمن أنها مخلوقةٌ لشأنٍ عظيم. كلما رآها زوج أمها شاردة، أعطاها كتاباً لتقرأه. وإذ لحظتْ أمُّها بدايات طولها الفارع، ضربتها على ظهرها ليستقيم، وأخذتها إلى السباحة. نمت على حب الكتاب وسباحة الجسد والعقل ضد تيار الاستكانة. ثم وهبها المسرحُ الكثير من نبالته. صقل انضباطها ولغة جسدها وطوع لسانها، وضوح وثقة مخارج الحروف في نطقها. 

وزارت السينما مبكراً، جلست في عتمتها وهي ترتدي أجمل ثيابها. تلك الرائحةُ في صالتها نادتها لتصير نجمة سينما، تتشّكل على توليفةٍ من حب عبد الحليم حافظ وفيروز وجمال عبد الناصر وجميلة بوحيرد وأحمد بن بلّة والقدود الحلبية.
أرضت أمومتها بطفلٍ واحدٍ واستوفته رضاعته. أنجبته بقرار وتوقفت بعده بقرار، باقي حياتها منذورٌ لفنّها. انطلقتْ محاربةً تحبّ نفسها وتعزّها وتدرّبها، ترفض وصاية أيّ مخرجٍ أو منتجٍ أو كاتب سيناريو، ولا تعتذر عن دورٍ صغير أو كبير، ما دام يقنعها. كل دورٍ جديدٍ يرفد طاقتها، وكلّ مُخرجٍ جديد سوف يُخرج منها نظرةً أو حركة جديدة. ومعهم جميعاً وصلتْ إلى عملها قبل موعدها لا بعده. ولم تنجرف إلى أدوار الدلع وهي الصغيرة والجميلة والطويلة والنحيلة؛ راحت باكراً إلى أدوار الأم القوية على حنان، فاكتسبت حصانةً ضد الخوف من الزمن والشيخوخة. "من الحمق أن تُخفيَ امرأةٌ آثار عمرٍ يمتدّ ناصعاً في الحياة كما على الشاشة".      

مثّلتْ أدوار الملوك والأشراف والمهمشين، وبفطرتها وذكائها وثقافتها وتجاربها من نجاحٍ وفشل أبقت اسمها أعلى من جميع أدوارها. ولم يغوِها الحضور الإعلاميّ ولم تقلقها الشائعات ولا منافسة الجيل الأحدث: "هذا الخوفُ وهمٌ يقتلنا".
تقول وهي في الثمانين: الغد أجمل. تستيقظ باكراً إلى رفقة كتابها وقهوتها، تتأمل الريحان والخبيزة والياسمين في مواسمها وتتمتم: "كم الدنيا حلوة". تعود إلى ترتيب بيتها وتحضير أكلها النباتي وشرب الشاي بالليمون بعد الغداء. تعيش وحدها. رفاقها أحلامُ اليقظة والحزن النبيل والوحدة النبيلة. لا تلتفت إلى الماضي، ولا تفتقده. تندم على أمرٍ وحيد، أنها لم تطع نصيحة أمها: "أكملي دراستك. لا تستعجلي إلى عالم الفنّ!"، ليت أمها تسامحها وتفخر بها، لأنها اختارت العمل باكراً حباً به لا بالمال. 
ولا يخفت شوقها إلى الدور الجيد. تحلم بدور أنديرا غاندي، ولن تتعالى عن الخضوع لاختبارٍ قبل أيّ دور. الاختبار ليس انتقاصاً للفنان ولا تشكيكاً بقدراته.. وحين تشتاق لابنها تغنّي له من دمشق، وهي المقيمة أبداً فيها: "كنت بشتاقلك وانا وانت هنا، بيني وبينك خطوتين.." توقن أنه يسمعها هناك في أميركا كما سمعها وهو طفل. وترجو لو استبدل المهاجرون وجهتهم؛ "هجرة القلوب إلى القلوب"، بديلاً عن الخروج من البلد.
حلّت نجومٌ ورحلتْ نجوم، ومرّتْ على سوريا جراحٌ ثخينةٌ وعميقة، قطّعت أوصالها مدناً وبشراً وجماعاتٍ تتناحر فيما بينها، وتجتمع على احترام منى واصف. ولو حلمنا بأن يولد عقدُمواطنةٍ يوماً ما، يحوف أبناء سوريا بالحب والاحترام وإنصاف القانون، لشغلتْ منى واصف قلبَ هذا العقد. 
 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في ترفيه