: آخر تحديث
من دولة صاعدة إلى قوة رائدة

المغرب يتصدر التصنيع في إفريقيا: مفاتيح تحوّل تاريخي

3
2
3

حقق المغرب إنجازًا يعيد رسم موازين القوى الاقتصادية في القارة الإفريقية؛ إذ يتصدر، ولأول مرة منذ إنشاء مؤشر التصنيع التابع للبنك الإفريقي للتنمية، قائمة الاقتصادات الصناعية في إفريقيا، متجاوزًا جنوب إفريقيا التي احتفظت بالمركز الأول لعقود طويلة.

ويؤكد تقرير عام 2025 هذا التحول الذي توقعه العديد من المحللين، إذ نجحت المملكة في ترسيخ نموذج صناعي متنوع، موجّه للتصدير، وقادر على جذب الاستثمارات الأجنبية في قطاعات التكنولوجيا المتوسطة والعالية.

استراتيجية دولة نضجت على مدى عقدين

لم يكن صعود المغرب نتيجة ظرفية عابرة، بل ثمرة سياسة صناعية مستمرة لأكثر من عشرين عامًا. فمنذ منتصف العقد الأول من الألفية، عملت المملكة على إنشاء مناطق حرة، وتطوير منصات لوجستية مرجعية، وتقديم حوافز استثمارية، إلى جانب تعزيز التكوين المهني والتقني.

ويمنح مؤشر البنك الإفريقي للتنمية — الذي يقيس الإنتاجية، والتطور التكنولوجي، والبنية التحتية، ورأس المال البشري، وتنوع الصادرات — المغرب درجة 0.8415، متقدمًا بفارق طفيف على جنوب إفريقيا. ورغم ضيق الفارق، فإنه يعكس تحولًا بنيويًا جعل من المغرب مرجعًا صناعيًا على مستوى القارة.

قطاع السيارات: المحرك الذي غيّر المعادلة

يُعد قطاع السيارات أبرز مثال على هذا التحول؛ فقد أصبح اليوم أول قطاع مُصدّر في المغرب. وتحتل المملكة المرتبة الأولى إفريقيًا في إنتاج السيارات السياحية، مع نسب إدماج محلي تتجاوز 60%، وسلسلة توريد تمتد من طنجة إلى القنيطرة والدار البيضاء.

وقد لعب ميناء طنجة المتوسط، أحد أكثر الموانئ نشاطًا في البحر الأبيض المتوسط، دورًا محوريًا في جذب كبار المصنعين العالميين ومورديهم. ولم يقتصر أثر القطاع على خلق فرص العمل المؤهلة، بل ساهم أيضًا في نقل التكنولوجيا وترسيخ منظومة صناعية مستقرة.

الطيران والكيمياء والطاقة المتجددة: تنويع يرفع القيمة المضافة

إلى جانب السيارات، برزت قطاعات أخرى كانت هامشية قبل عقدين، من بينها:

صناعة الطيران، التي تضم أكثر من مئة شركة وتستقطب روادًا عالميين في مكونات الطائرات الدقيقة.

الصناعات الكيميائية والدوائية، التي ارتقت في سلم القيمة المضافة.

الطاقات المتجددة، التي أصبحت عنصرًا أساسيًا في تنافسية الإنتاج، خصوصًا مع اقتراب تطبيق آلية الاتحاد الأوروبي لضريبة الكربون على الحدود.

وقد مكّن هذا التنويع المغرب من تقليص اعتماده على القطاعات التقليدية وتعزيز موقعه داخل سلاسل القيمة العالمية.

إعادة توطين الصناعات والاستقرار: سياق دولي يخدم المملكة

أدت إعادة تشكيل سلاسل التوريد العالمية بعد الجائحة والحرب في أوكرانيا إلى تسريع توجه الشركات نحو إعادة التموقع قرب الأسواق الأوروبية. واستفاد المغرب من هذا التحول بفضل ثلاثة عوامل رئيسية:

الاستقرار السياسي والتنظيمي.

القرب الجغرافي من أوروبا.

البنية التحتية اللوجستية والطاقة التنافسية.

وبالنسبة إلى الشركات الأوروبية، أصبح المغرب شريكًا صناعيًا موثوقًا، يجمع بين الكلفة المناسبة والمعايير الدولية في الإنتاج.

قارة تتقدم ببطء… لكنها ما تزال مجزأة

يتباين صعود المغرب مع واقع القارة الإفريقية، حيث:

لا يتجاوز حجم التجارة البينية الإفريقية 14% من إجمالي التجارة.

ما تزال سلاسل القيمة الإقليمية ضعيفة الاندماج.

وتساهم إفريقيا بأقل من 2% من الإنتاج الصناعي العالمي.

وفي هذا السياق، يشكل النموذج المغربي مرجعًا للدول والمؤسسات الإفريقية الساعية إلى تسريع وتيرة التصنيع.

تحديات العقد المقبل

يتمثل التحدي اليوم في تثبيت هذه الريادة. ويشير الخبراء إلى ثلاث أولويات رئيسية:

تعزيز الابتكار المحلي والقدرة على التصميم.

دمج المقاولات الصغيرة والمتوسطة في المنظومات الصناعية.

توسيع التعاون الإفريقي، خصوصًا في إطار منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية.

وتطمح المملكة إلى الحفاظ على موقعها، بل التحول إلى قطب صناعي أورو-متوسطي وإفريقي قادر على المنافسة في الصناعات ذات القيمة التكنولوجية العالية.

حقق المغرب ما كان يبدو لسنوات طويلة أمرًا بعيد المنال: التحول إلى أول قوة صناعية في إفريقيا. وقد تحقق ذلك بفضل رؤية استراتيجية، واستقرار مؤسساتي، واستثمارات مستمرة، واندماج متزايد في سلاسل القيمة العالمية. إن هذا الصعود يعيد تشكيل الخريطة الصناعية للقارة، ويفتح مرحلة جديدة في مسار الاقتصاد المغربي.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.