وأنا أستمع إلى صوت المطرب الشعبي الراحل أحمد عدوية وهو يردد: "زحمة يا دنيا زحمة"، وجدت نفسي أبتسم. ليس لأن الأغنية فقدت معناها، بل لأن القاهرة التي كانت تشكو من الزحام في زمن عدوية ليست هي القاهرة التي أراها اليوم.
لا يزال الزحام حاضرًا بطبيعة الحال، فهذه مدينة يعيش فيها ملايين البشر، لكنها مدينة تغيّرت كثيرًا. شبكة الكباري والمحاور الجديدة أعادت رسم خريطة الحركة فيها بصورة لم تكن تخطر على بال أحد قبل سنوات. أماكن كانت تحتاج إلى رحلة طويلة أصبحت تُقطع في وقت أقصر، ومناطق كانت تبدو بعيدة أصبحت أقرب من المتوقع. حتى إن المرء بات يجد صعوبة في اختلاق الأعذار للتأخر، فالقاهرة الحديثة تحاول أن تسبق ازدحامها بخطوات.
في البداية كنت أنوي أن أكتب عن الفن الشعبي، وعن أحمد عدوية تحديدًا، لكن القلم قادني إلى الحديث عن القاهرة نفسها. وربما لا غرابة في ذلك، فعدوية والقاهرة وجهان لحكاية واحدة. فمن يريد أن يفهم هذا الفنان عليه أن يفهم المدينة التي خرج منها، والشوارع التي صنعت صوته، والحارات التي كانت مسرحًا لأغانيه.
قبل أيام استمعت إلى أغنية "والله لعب الهوى". لم أكن قد سمعتها من قبل، فتراث عدوية ينتمي أكثر إلى جيل والدي منه إلى جيلي. لكن الأغنية فاجأتني بجمالها وخفتها، وبذلك الصدق الذي يميز الأغنيات الشعبية الحقيقية. وحين أُعيد تقديمها بروح موسيقية حديثة اكتشفت أن العمل الجيد لا يشيخ، وأن الأغنية الصادقة تستطيع أن تعبر الزمن وتصل إلى أجيال لم تعش عصرها.
كان أحمد عدوية حالة فنية استثنائية. لم يكن مجرد مطرب شعبي يغني للناس البسطاء، بل كان ظاهرة اجتماعية وثقافية كاملة. استطاع أن ينقل لغة الشارع المصري وإيقاع الحياة اليومية إلى الأغنية، وأن يصنع لونًا خاصًا به في وقت كانت فيه الألوان الفنية التقليدية تهيمن على الساحة.
ولأن كل جديد يواجه المقاومة، فقد تعرض عدوية للكثير من الهجوم والانتقاد في بداياته. رأى فيه البعض خروجًا على المألوف، بينما رأى آخرون أنه يمثل صوت الناس الحقيقي الذي لم يكن حاضرًا بقوة في الأغنية السائدة آنذاك. ومع مرور الزمن أثبتت الأيام أن تأثيره كان أكبر من مجرد نجاح مجموعة من الأغنيات؛ فقد ساهم في تغيير شكل الأغنية الشعبية وفتح الباب أمام أجيال كاملة جاءت بعده.
ولعل أكثر ما يلفت الانتباه أن شخصيات ثقافية كبيرة أدركت قيمة هذه الظاهرة مبكرًا. فقد أشاد الأديب المصري الكبير نجيب محفوظ بقدرة عدوية على التعبير عن المجتمع المصري وتحولاته، ورأى فيه صوتًا يعكس نبض الشارع الحقيقي. ولم تكن تلك الإشادة بفنان بقدر ما كانت اعترافًا بظاهرة اجتماعية وثقافية تستحق التأمل.
رحل أحمد عدوية، لكن صوته بقي حاضرًا في الذاكرة العربية. بقيت أغانيه تسافر بين الأجيال، يستمع إليها الآباء بدافع الحنين، ويكتشفها الأبناء بدافع الفضول، ثم يحتفظون بها لأنها ببساطة جميلة وصادقة.
وأنا أتنقل اليوم في شوارع القاهرة الجديدة، فوق الكباري الحديثة والمحاور الواسعة، وأستمع إلى أغنيات عدوية القديمة، أشعر وكأنني أعيش مشهدًا يجمع زمنين مختلفين؛ زمن القاهرة التي كانت تغني "زحمة يا دنيا زحمة"، وزمن القاهرة التي تحاول أن تروض هذا الزحام بالمشروعات والتطوير.
تتغير المدن، وتتبدل الشوارع، وتُهدم مبانٍ وتُبنى أخرى، لكن الفن الحقيقي يظل شاهدًا على كل ذلك. وربما لهذا السبب ما زال صوت أحمد عدوية قادرًا على مرافقة القاهرة بعد كل هذه السنوات؛ لأنه لم يغنِ للمدينة كما كانت فقط، بل غنى لها كما يشعر بها أهلها، وهذا النوع من الغناء لا يشيخ أبدًا.
ملاحظة صغيرة: عبارة "رحم الله أحمد عدوية" صحيحة من حيث المعنى، لكن إذا كان المقصود الدقة الزمنية في المقال، فإن أحمد عدوية توفي في أواخر عام 2024، لذا فإن الإشارة إلى رحيله اليوم تعد صحيحة تاريخيًا.

