لم تعد الصين تهمس.
لعقود، انتهجت بكين في تعاملها مع الشرق الأوسط سياسة الحذر المدروس، فسعت إلى الشراكات الاقتصادية بعيدًا عن الاحتكاك السياسي، وآثرت لغة الدبلوماسية الهادئة على لغة المواجهة. غير أن ثمة تحولًا باتت ملامحه واضحة لمن يقرأ المشهد بعناية.
حين أعلن الرئيس شي جين بينغ في أيار (مايو) 2024، أمام وزراء خارجية الدول العربية في بكين، أن "الحرب لا يجب أن تستمر إلى ما لا نهاية، والعدالة لا يجب أن تغيب إلى الأبد"، لم تكن تلك مجرد عبارات دبلوماسية مُعتادة. وحين أعلن في كانون الأول (ديسمبر) 2025، على هامش قمته مع الرئيس الفرنسي ماكرون، عن تخصيص مئة مليون دولار دعمًا لفلسطين، كانت الرسالة السياسية لا تقل أهمية عن الرسالة الإنسانية. وحين وصف وزير خارجيته وانغ يي، في أيلول (سبتمبر) 2025، ما يجري في غزة بأنه "كارثة إنسانية غير مسبوقة تتجاوز حدود الضمير الإنساني"، كانت بكين تتجاوز حدود التعليق المحايد نحو صياغة موقف.
والأهم: حين انتقد المسؤولون الصينيون، في نيسان (أبريل) 2026، الدور الأميركِي في دعم العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان، واصفين إياه بأنه "انتهاك صريح للقانون الدولي ومبدأ السيادة الوطنية"، فإن بكين لم تعد تكتفي بالتعليق من بعيد، بل باتت تُسمّي وتُحدِّد.
السؤال الجوهري ليس: لماذا تقول الصين هذا الكلام؟
السؤال الجوهري هو: لماذا بات كثير من دول العالم مستعدًا للإصغاء؟
الجواب لا يكمن في قوة الصين وحدها. يكمن في أزمة المصداقية التي تعصف بالنظام الدولي الذي قادته الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب الباردة.
لم تمارس واشنطن وحلفاؤها القوةَ وحدها خلال العقود الماضية. مارست أيضًا سلطة التفسير، أي السلطة على اللغة التي يُفهم بها العالم. كانت واشنطن تحدد من هو التهديد، وما هو العمل العسكري المشروع، وأي انتهاكات للقانون الدولي تستحق الاهتمام الدولي. القوة العسكرية كانت مقرونة دائمًا بقوة التأطير والتفسير، وهي نوع مختلف من القوة لكنه لا يقل خطورة.
اليوم، تلك السلطة التفسيرية لم تعد مُسلَّمًا بها.
غزة لم تكن مجرد كارثة إنسانية. كانت اختبارًا.
اختبارًا لسؤال لم يعد بالإمكان تجاهله: هل تسري مبادئ النظام الدولي القائم على الجميع بالتساوي، أم أن ثمة استثناءات مخصصة لحلفاء بعينهم؟ حين أعلن السفير الصيني لدى الأمم المتحدة فو كونغ، في آذار (مارس) 2025، أن "توظيف المساعدات الإنسانية ورقةً للضغط انتهاكٌ صريح للقانون الدولي الإنساني"، كان يُفصح عمّا يقوله كثير من حكومات العالم في السر دون أن تجرؤ على قوله في العلن.
ليس لأن الصين أصبحت فجأة أكثر إقناعًا.
بل لأن مصداقية من كانوا يهيمنون على هذه المحادثة باتت موضع تشكيك متصاعد.
هنا يكمن الانقلاب المفارق الذي يصعب إغفاله:
لعقود، اتهمت الحكومات الغربية الصين بالاستفادة من المؤسسات الدولية دون أن تلتزم بأسسها المعيارية. أما اليوم، فإن المسؤولين الصينيين يصوّرون أنفسهم حماةً لتلك الأسس في مواجهة ما يسمونه "تطبيقًا انتقائيًا واستثناءً سياسيًا". وقد أصبحت مفاهيم السيادة وعدم التدخل وسلامة الأراضي والالتزام بالقانون الدولي أدوات للمنافسة الجيوسياسية لا مجرد شعارات دبلوماسية.
بيد أن تأثير الأفكار لا ينتقل في فراغ. الشرعية لا تسافر وحدها؛ تحملها العلاقات الاقتصادية والشبكات المؤسسية والمصالح الاستراتيجية.
وهنا يصبح الخليج محوريًا في الصورة.
على مدى العقدين الماضيين، حوّلت الصين علاقتها مع دول مجلس التعاون الخليجي من شراكة طاقة إلى واحدة من أهم الشراكات الاقتصادية في العالم. باتت الصين أكبر شريك تجاري لمجموعة دول الخليج. يمتد الاستثمار الصيني عبر الموانئ وشبكات اللوجستيات والمناطق الصناعية والبنية التحتية الرقمية والتكنولوجيا. ودول الخليج لم تعد ترى في الصين مجرد مشترٍ للنفط، بل شريكًا استراتيجيًا في مسيرة التحول الاقتصادي.
حين تتحدث بكين عن السيادة والاستقرار الإقليمي والقانون الدولي، فإنها لا تفعل ذلك من موقع المراقب البعيد، بل من موقع الشريك الذي يسكن عمق المستقبل الاقتصادي للمنطقة.
الولايات المتحدة بنت نفوذها الإقليمي على البنية الأمنية: التحالفات والقواعد العسكرية وضمانات الحماية. الصين تبني نفوذها على البنية الاقتصادية: التجارة والاستثمار والبنية التحتية والتطوير. فالبنية الأمنية تخلق الاعتماد من خلال الحماية، أما البنية الاقتصادية فتخلق الاعتماد من خلال الاندماج في شبكات التجارة والاستثمار والإنتاج.
النتيجة: دول الخليج لم تعد مضطرة إلى الاختيار بين واشنطن وبكين. وهي لا تريد ذلك. غايتها ليست الانحياز بل المرونة. والمرونة في حد ذاتها شكل من أشكال القوة.
ثمة تمييز دقيق لكنه جوهري ينبغي ألا يُفوِّته أحد:
القوة تحدد ما تستطيع الدول فعله. الشرعية تحدد ما يعتقد العالم أن لها الحق في فعله.
لثلاثة عقود عقب الحرب الباردة، سارت القوة العسكرية والسلطة التفسيرية جنبًا إلى جنب. الدول الأكثر قوة كانت الأكثر قدرة على تعريف ما هو نظام وما هو فوضى، وما هو مشروع وما هو عدوان، وما هو قانون وما هو استثناء.
تصريحات شي جين بينغ ووانغ يي الأخيرة تشير إلى أن هذه المعادلة بدأت تتزعزع.
تحدي الصين للنظام القائم ليس عسكريًا في جوهره، بل تفسيري بالدرجة الأولى.
وربما يتبيّن أنه، في نهاية المطاف، أشد أثرًا مما يدرك كثيرون الآن.
ظلت بكين لسنوات تهمس باعتراضاتها على النظام القائم.
اليوم، باتت تجهر بها.
وعدد متصاعد من دول العالم يبدو مستعدًا للإصغاء.
ليس بالضرورة لأن الصين أصبحت أكثر إقناعًا.
بل لأنَّ سلطة من كانوا يهيمنون على هذه المحادثة لم تعد تبدو بديهية كما كانت.


