لم يعد الحديث عن مساعي واشنطن لتهيئة الأجواء نحو صياغة تفاهمات مستعجلة مع طهران مجرد قراءة استشرافية بين السطور، فقد تحول الأمر إلى حراك علني يقوده الرئيس ترامب بنفسه.
بين عشية وضحاها، خرج الرئيس الأميركِي ليتحدث بنبرة مغايرة عن "إمكانية لقاء مرتقب" يجمعه بالمرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي، مؤكدًا أن مسار المحادثات يتحرك بشكل إيجابي. هذا الاندفاع الدبلوماسي المفاجئ يعكس رغبة واشنطن المتعجلة في الانتقال السريع من مربع التصعيد العسكري الحاد إلى طاولة التسويات، بحثًا عن مخرج سياسي عاجل يتجاوز تعقيدات المشهد الميداني وضغوط حرب الاستنزاف التي بدأت تنهك الإدارة الأميركية داخليًا.
وتشير الملامح الأولية للتسوية المتداولة، والتي يقودها وزير الخارجية ماركو روبيو خلف الكواليس برعاية باكستانية، إلى تجاوز صيغ الالتزامات النظرية السابقة؛ حيث يتم التركيز حاليًا على انتزاع ضمانات مادية حاسمة تحول دون امتلاك طهران لقنبلة نووية، وفي مقدمتها شرط إجرائي صارم يقضي بسحب كامل مخزون اليورانيوم عالي التخصيب وشحنه إلى الخارج لتصفير قدرة إيران الفورية على المباغتة النووية.
وتأتي هذه الخطوة مقابل حزمة من التسهيلات الاقتصادية، وفتح مضيق هرمز، ورفع الحصار البحري الأميركِي تدريجيًا. وبناءً على هذا التصور، يبدو أن ترامب يسابق الزمن لإعلان اتفاق مؤقت يقدمه كإنجاز دبلوماسي شخصي، مستخدمًا خطابًا مرنًا حيال القيادة الإيرانية الجديدة للتخفيف من وطأة الأزمة التي ألقت بظلالها القاسية على جبهته الداخلية طوال الأشهر الماضية.
لكن هذا الارتداد البراغماتي المتسارع يفتح الباب على مصراعيه أمام تساؤلات مشروعة وحادة حول طبيعة التوازن والاستقامة في السياسة الخارجية الأميركية، إذ يقابل الصمت المريب والتفاعل الباهت لواشنطن تجاه الخروقات الصارخة التي طالت الشركاء التاريخيين في الخليج العربي بعلامات استفهام كبرى. فالبرود الأميركِي أمام اعتداءات طائرات إيران المسيرة وصواريخها التي استهدفت مؤخرًا منشآت حيوية ومدنية في دولة الكويت ومملكة البحرين الشقيقتين، وتسببت في وقوع ضحايا في الكويت، يثير ريبة حقيقية في عواصم المنطقة.
وعوضًا عن تقديم رسائل ردع حاسمة تحمي أمن واستقرار الحلفاء التقليديين، تكشف بوصلة الاهتمام الأميركِي عن انفصام استراتيجي فاضح وازدواجية فجة في المعايير؛ فالواقع الميداني يظهر اندفاع واشنطن بكامل ثقلها العسكري والدبلوماسي، وتجنيد أساطيلها لتأمين الجبهات الإسرائيلية والدفاع عنها والرد الفوري على أي تهديد يمسها، في وقت يجري فيه التغاضي الدبلوماسي والالتفاف السياسي حول التهديدات الوجودية المباشرة الموجهة للعمق الخليجي.
هذا السلوك يضع حقيقة المظلة الأمنية الأميركية على المحك، ويُثبت أن شعار "أميركا أولًا" يترجم في المطبخ السياسي لواشنطن إلى "أمن إسرائيل أولًا"، ليجد الحلفاء الخليجيون أنفسهم في نهاية المطاف مجبرين على مواجهة التبعات الميدانية الكبرى بمفردهم.
هذا المشهد المعقد يعيد تأكيد الرؤية الدبلوماسية الحكيمة والمستقلة التي تقودها الرياض ومحيطها الخليجي، والتي تنطلق من مبدأ ثابت بأن الاستقرار الإقليمي كلٌّ لا يتجزأ، وأن بناء أي سلام مستدام في المنطقة يتطلب التوقف تمامًا عن الانحياز التكتيكي أو الهروب نحو تسويات منقوصة تفصلها واشنطن بناءً على حسابات ترامب الانتخابية، لا سيما وهو المحاصر بضغوط الكونغرس واهتزاز جبهته الداخلية إثر الارتفاع الجنوني لأسعار الطاقة.
وفي عالم الواقعية السياسية الراهن، يتأكد يومًا بعد يوم أن أمن المنطقة واستقرارها لا يمكن رهنه للمظلات الدولية التقليدية المتقلبة، وبناءً على ذلك تصبح الرؤية الدبلوماسية والعسكرية الخليجية والعربية الموحدة هي الرهان الحقيقي القادر على فرض شروط التوازن الاستراتيجي. فالصفقات التي تُصاغ خلف الأبواب المغلقة استجابة لمآزق واشنطن وتل أبيب لن تحقق سلامًا شاملًا.


