ظهر في تسجيلٍ مصوّر أحد مقاتلي الميليشيات داخل مقبرة الشهداء في بلدة الشدادي، وهو يسير بين القبور بخطواتٍ متصنّعة، ثم ينحني على الشواهد ويكسرها بيده، ثم يرميها أرضًا، مباشرةً، بينما يُفترض أن يرافقه شخصٌ آخر، في أقل تقدير، ليصوّره، إن لم تكن كتيبة كاملة. ومن الواضح أن البلدة، في لحظة الثأر، خالية من الكرد، فلا إطلاق نار، ولا مجرد عدو مفترض أمامه. إنها قبور صامتة، وميليشياوي حاقد لئيم يعتدي عليها، ما يجعل التسجيل المصوّر لا يحتمل تفسيرًا آخر، ألا وهو محض ثأر من موتى، باعتبار أن هذه الجريمة الأخلاقية لا صلة لها بقتال أو ضرورة عسكرية، إنما هي اعتداء آثم متعمّد على حرمة المقبرة وعلى ذاكرة عائلات دفنت أبناءها هناك.
كلنا يعلم أن للموتى حرمتهم، وصون القبور قاعدة إنسانية مستقرة، لأن لكل منا مقابر ذويه، وأن سلوك كسر الشاهد لا يمس حجرًا فحسب، بل يتجه إلى طعن الوازع الإنساني القيمي، إذ يأتي مثل هذا التخريب ضمن سياق التمثيل بالجثث ومحاولة محو أثر من دافعوا عن المدينة في وجه أعتى قوة إرهابية، ليس في الشرق الأوسط وحده، وإنما في العالم كله، على حد سواء.
ولعل التوصيف الدقيق هنا أن يقال عن مثل هذا الإرهابي إنه لا يتصرف بصفة مقاتل، بل بصفة وحش لئيم جبان. فالشجاعة لها فضاؤها الامتحاني أمام عدو حيّ، أما الاعتداء على محض قبر فليس سوى فعل يصدر عن روح منهزمة ومنظومة فعل إرهابي. لأن اليد التي لم تستطع الاقتراب من أصحاب هذه القبور وهم أحياء قد باتت تتقدم اليوم إلى حجارة صامتة، كما إن الانتقام من الميت أسهل من مواجهة الحي. إنه فعل خسيس ورخيص ووحشي وبغيض، لاسيما إزاء طرح متن السؤال، وهو: لو كان هؤلاء الشهداء الذين دافعوا عن أمه وشقيقته لئلا تكونا سبيتين أحياء، فهل كان يستطيع الوصول إلى هذه المقبرة أصلًا؟ وحده نسق الوقائع يجيب في هذا المقام.
كيف لا، وقد ظل المقاتلون الكرد اثنتي عشرة سنة في هذه المنطقة، وهم يواجهون إرهاب تنظيمات راديكالية متطرفة، متشبثين بالأرض، وهم يحمون الشدادي وريفها، كما المناطق الكردية وبعض المحافظات السورية. ولا أتحدث هنا عن أخطاء من ورائهم، فأنا أحد قلة تصدوا لها منذ اليوم الأول، ومدونتي شاهدة، بعكس كثيرين من باتوا يتعملقون تدريجيًا بعد اختلاف الظروف. ولم يظهر هذا الدعي ولا أمثاله في أية مواجهة مباشرة. لم يجده أحد وهو يرفع رأسه. لم ينتخ ثأرًا لأرض بلده وأمه وشقيقته وزوجته وجارته. لم يُعرف له حضور في جبهة الكرامة على امتداد سنوات، ولم أقل: جبهات السطو.
وما إن غادر المقاتلون البلدة وفق اتفاقات، حتى ظهر هذا الشخص القميء فجأة. فقد امتلك الجرأة المزيفة في لحظة مغادرة حماة الأرض والعرض، عندما خلت المقبرة من أهل هؤلاء الأبطال الميامين، ليبدأ الاستعراض الكاذب بعد انسحاب القوة الجبارة التي كانت تردعه، وترتعد فرائصه وقادته أمام مجرد ذكر اسمها. وكنا نحن من ننقد وجودها خارج مناطقها وغير ذلك بشكل يومي. من هنا يتحدد التوصيف بدقة: ليس بطلًا من تأخر، إنما نحن أمام شحيح جبان طالما انتظر الفريسة في غياب الفرسان الحقيقيين.
ولا أدري لم خُيّل إليّ أن أتصور منظر هذا الإرهابي لو أن أحد هؤلاء الشهداء رفع رأسه بغتة من قبره فقط. لو خرج أحدهم كما كان في حياته، لما بقي هذا الرجل في مكانه مجرد ثانية واحدة. فقد كان سيتراجع أو يفرّ. هذا المصير ليس تقولًا على هذا الصنف الجبان، بل استنتاجًا بسيطًا من جراء مقدمات سلوكه السابق. من لم يواجههم ولم ينتصر عليهم اثنتي عشرة سنة، وهم في هذا المكان، لن يواجههم الآن وهم موتى، ورفاقهم يلتزمون بقرار الهدنة المخادعة. المقارنة وحدها تكشف الحقيقة كاملة.
وهنا، فإن علينا ألا ننسى السؤال الأكثر أهمية، وهو: ترى كيف وصل هذا اللئيم، كما من دفعوه إلى أداء المهمة، أصلًا إلى الشدادي؟ لأن وجود هذه الميليشيات لم يأت نتيجة تفوق ذاتي، إنما عبر صفقة إقليمية دولية واضحة، بمخطط أردوغاني خبيث وتمويل خليجي، وتسهيلات أميركية في عهد التاجر المحتال وعديم القيم ترامب. هذه الشبكة عديمة الأخلاق والقيم وفرت الغطاء والحماية، كي يُمنع في المقابل استخدام السلاح الأميركي الذي امتلكته القوى الكردية سابقًا، فاختل ميزان القوة بصورة فجة، تحت سماء مراقبة بالطائرات التركية وشريكتها الطائرات الأميركية التي حقق الكردي رسالة النصر على داعش عبر تحالف سابق، أنكرتها الذاكرة الأميركية والغربية، وهو شأنها وأخلاقها التي لا أثق بها. هذا المشهد كله، مشهد التآمر على الكردي، وتسويق صورة اللص الجبان على أنه بطل، يذكّر ببيت الشاعر:
"ألقوه في اليم مكتوفًا وقالوا له
إياك إياك أن تبتل بالماء"
بلى، ثمة طرف يُقيَّد اليدين، وطرف آخر يُطلَق ويداه ورجلاه، ليبدو بطلًا وهو الجبان.
من هنا نفهم هذا الهيجان تمامًا. ثقة مصطنعة مصدرها حماية خارجية، لا قدرة ذاتية. إذ يشعر الفاعل أن المحاسبة مؤجلة كي يتجاسر ويمد يده إلى شواهد الأموات.
ثقافة الثأر من الموتى ليست جديدة. حيث ثمة تاريخ قريب سجّل نبش القبور وتدنيس الأضرحة بعد تغيّر السلطات. داعش فجّرت مراقد ومقامات من الموصل إلى الرقة وتل معروف بدافع تكفيري يريد محو الذاكرة. هذه الذهنية نفسها تتكرر اليوم بأسماء أخرى.
مقبرة الشهداء في الشدادي تقدم الدليل الأخير. حيث أسماء من قاتلوا دفاعًا عن الناس تُمحى على شواهدها الرخامية بيد دعي يكسر الشواهد، وآخر يصوّر استمرارًا وتناوبًا ديموميًا لروح داعش التي اعتمدت آلة الحرق والرعب لتسجيل الانتصار المزيف، قبل أن تنهزم أمام إرادة الكردي الذي خانه حليفه الكذاب. إن من لم يجرؤ على مواجهتهم في حياتهم يحاول الانتقام منهم بعد موتهم. هكذا يمتد ويتواصل العنف من الجسد إلى القبر. وهكذا يتضح الأمر ببساطة كاملة: هؤلاء لا يثأرون من أعداء، بل من موتى أيضًا.

