: آخر تحديث

وجوه... قصص...

6
6
5

تمرّ في الشوارع والساحات على مشاهد تتراكض كأنها في سباق. صراخ من هنا أو من هناك، وتدافع بالأيدي لأتفه الأسباب، وتزاحم على أفضلية المرور، وسيرٌ عكس السير، ولكن بتيسير من قانون السير الماشي على قدمين!
مشاهد تعتاد عينك على رؤيتها، ويعتاد سمعك على ضوضائها، لكنّ عقلك لا يفكّر فيها إلا بحدود ما يتحصّل من ألم في رأسك وصداع، وتأخير لك عن ميعاد عمل أو لقاء أو طبيب أو حبيب...
مشاهد تألفها وتؤطّر حياتك، برضاك أو غصبًا عنك... لا فرق... فالتأطير مفروض، وأنت منه المحكوم بالإعدام...
مع ذلك، دقيقة واحدة، وربما ثانية، قد تُعيد تشكيل المشهد بتفاصيله كافة...

من بيروت، مار إلياس، إلى طريق الجديدة، وفردان، والكولا، والمتحف، إلى خلدة، والدامور، ودير القمر، وبقعاتا، وعين وزين، إلى عين داره، وظهر البيدر، وحمانا، وصليما... من الساحل إلى الجبل، ومنه إلى الساحل، وجوه تتراكض في سياراتٍ متنوّعة الأشكال والألوان، وأخرى جريًا على قدمين. وجوه تلوّنت، وأخرى تبرّجت، وغيرها أرخى اللحى، أو نقشت جلودها برسوم فرّغت ما يضطرم في نفوسها...

وجوه تمرّ، وتمرّ أنت، توازيها، أو تسابقها، لأنّها وجوه لم تتوقف عندها يومًا، لم تلاحظها، لم ترَ ابتساماتها أو تقطيبة جبينها... لم تلاحظ ما سطّرته السنين عليها، وما لوّنته الأيام والوقائع... وما حمّله الدهر على أكتافها... تمرّ وأنت غافل عن كلّ هذه القصص...

وجوه، لو توقفت عندها يومًا، لسمعت فيها أنّة المرض والحزن، وشكوى الظلم والقهر... ولأطرقت إلى غضب الشقاء ووقع الجور... ولترنّمت على نغم فرح بسيط، أو زفاف حبيب، أو لقاء أحبة... لسكبت الدمعة لولادة حياة، أو لوداع أخرى...
لو توقفت... لعرفت...
لو توقفت لعرفت أنّك لا تمرّ على مجرد وجوه، بل هي قصص سُطّرت بدمع وليل وشمس وبريق...

فذا وجه يخبّئ ما جنته عليه الأيام منذ أن وُلد... تراه يعاتب قدره ويقول: لماذا أنا؟ ما فعلت في حياتي حتى يكون الشقاء وليد أيامي المتجدّد كلما لاحت شمس غروب أو فجر جديد؟!
أجري خلف الرزق الهارب منّي نحو المجهول... أنام على ضيم، وأستيقظ على قيظ... بل على جمرٍ، مساميرَ، تغرز في كلّ شق وسَمَته سكين العيشِ في يديَّ وجبيني...
لا أعلم إلى أين سيأخذني الغد، ولا أين سيرميني اليوم، ولا من معين، ولا من مجيب...
ولكن... لعلّ الله يستجيب، ويستعيد من هذا الجسد ما دفعه فيه يوم وُلدت...

وذا وجه يبتسم كطفل اشتمّ رائحة أمّه للمرّة الأولى فسكن... يبتسم كأنّه هو المحبوب الأول لكلّ من مرّ ومن يمرّ... ملابسه أنيقة رغم فقرها، ألوانها متناسقة رغم عتمتها، ووجهه ينير أوراق اللوتو التي يحملها في يده، وصوته الذي يصرخ: «السحب اليوم!»... وبسمته تقول: «عائلتي تحبّني، وأنا درّة عينها!»

وذا أم تمسك ولدها بيدها، تسير به نحو مستقبل يبدو لها مجهولًا... تحسب ما فاتها، لو تعلّمت، لو امتلكت شهادة تحارب بها الذكورية، من الأب إلى الأخ، ومن الزوج إلى المجتمع...
نعم، هي تهوى الاعتناء بمن تحب، لا تُخسف قيمتها إذا وقفت تغسل المواعين وتعدّ الأطباق التي التهمت طعامها كأنها الغيلان جائعة...
ولا تنتقص من حكمتها أن تكون أمًّا ومربّية تردّد ما يتعلّمه أولادها كل يوم في المدرسة...
ولا يضيرها أن تكون زوجة، تنظّف وتكوي وتغسل... ولا يضيرها لو نظر إليها زوجها على أنها عشيقة وموظفة لا شريكة، لأنّها تعلم أنّه في مجتمعها ضاقت مفاهيم البعض عن الرجولة، فلم يعد هناك من مجال للشراكة...
ولا يضيرها أنها تتنفّس العلّة تلو العلّة... فهي أقوى من كلّ شوك يُرمى في طريقها، ومن كلّ نار توقد في وريدها، ومن كلّ موت يسقي دمها دقيقة تلو دقيقة...
لذا، تمسك بيد ولدها وتسير، علّها معه تصنع التغيير الذي تريد، لصورة جديدة منها، تمسك غدًا بيد وليدها وتسير...

وذا وجه يصرخ غاضبًا لأنّ الكون خالفه في هوى المسير...
كيف لهذا الكون ألا يسير على هواه؟!
كيف لهذا الآخر ألاّ يخشاه؟ ألاّ يعمل على رضاه؟ ألاّ يلوّن نفسه بريشته؟ ألاّ يفكّر بطريقته؟ ألاّ يشهق بنفسه؟...
كيف له أن يكون لفكره الحرّ سيّدٌ آخرُ سواه؟؟؟
كيف للكون أن يعانده في سراه؟؟؟ أو تسير السيارات في طريق لا يجب أن يسلكه سواه؟؟؟
لِمَ لشرطي السير أن يأمر بالانتظار واحترام الإشارة الحمراء؟؟؟
ألم يعرف أنّه هو من يمرّ من هنا؟؟؟
يا لهذا الجهل، يا لهذه الآه... آهِ الأنا التي لا ترى في الأنام إلاّ الأناه...

وذا وجه يُخبر قصة لا يريد من الناس أن يقرؤوها... يحاول أن يُلقي عليها الستار... يُغلق عليها في مغارة علاء الدين، ويلقي المفتاح...
لكنه ينسى أنّ في المغارة شقوقًا تتسرّب منها العتمة والضياء... تُسرّ للمارّ قربها مفاتيح القصة بحياء عذراء...

هي قصص نضال، ووجود، وحياة، ونشوى، وانكسار، وانتصار، وشقاء...
قصص تمرّ أمامك، قد لا تتوقف عندها... لكنها ستبقى قصصًا، لا مجرد وجوه، تُخبر سيرة الإنسان، وتطرّز بالحروف متون سفر الكينونة...

لذا، عندما تمرّ وأنت في السيارة على كلّ هذه الوجوه، تذكّر أنّها أساطين أسفار، لا مجرد وجوه أو صور...


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في كتَّاب إيلاف