أتذكّر أنّني كتبت أكثر من مقال بهذا الخصوص في العام 2003 عشية سقوط الطاغية صدام حسين، وبعيد ذلك، وكيف أنّ نظام الطاغية بشار الأسد، الذي طالما كانت بين أبيه وبينه من جهة، ونظام صدام حسين من جهة أخرى، وفق ما اصطلح عليه بالعداء بين شطري بعث العراق وسوريا، عندما فتح أبواب الجوامع التي راح بعضها يدعو للتسجيل ضمن قوائم فدائيي صدام بمكبّرات الصوت، لاستقبال المتطوّعين الذين جيء ببعضهم من السجن إلى مراكز التطوّع إلى جانب المغرَّر بهم أو أدوات النظام المجرَّدين بذريعة المقاومة، وكان لي موقف فعلي من ذلك، لا مجال لذكره، وبدا لي نتيجة معايشة فعلية من موقع المراقب عن بُعد لهذه الحرب الاستباقية، تحت يافطة المقاومة.
وبعيدًا عن استذكار تجارب دولية عديدة سابقة، تاريخيًّا، في مجال الحرب الاستباقية، فإنّنا نتحدّث هنا عن مثل هذه الحرب في الشرق الأوسط، وضمن مرحلة زمنية في حدود ربع القرن الأوّل من الألفية الثانية. فقد وضعت تركيا نصب عينيها، من منظور العداء، تجربة الكرد السوريين في التخلّص من الظلم التاريخي الذي عانوه منذ تأسيس سوريا، وبشكل تصاعدي بلغ ذروته في زمن الصعود العنصري ومحاولات إضفاء صبغة واحدة على سوريا: تسميةً، ولغةً، وقوميةً، ليُواجَه ذلك بالصدّ من قبل روّاد التنوير الكردي في سوريا، منذ مرحلة خويبون 1927، ومرورًا بتأسيس أوّل حزب كردي في سوريا 1957، وليس انتهاءً بتجربة ب ك ك في الهيمنة على مكاننا، ونسف علاقتنا مع الجيران الذين كان أكثرهم مهيّأً في الأصل لمعاداة الكرد نتيجة ثقافة عنصرية بعثية، تلاقحت بويضتها مع ثقافة داعشية بتدرّجاتها حتى اللحظة، ضمن خطّ بياني يُسجَّل له ما حقّقه في مواجهة تنظيم داعش الإرهابي، ويُسجَّل عليه ما يتعلّق بسياساته قصيرة النظر في إهاب أو صورة زعم بعد النظر، والإلغائية للآخر الكردي، ما أدّى إلى هذا الحال، من دون أن ننسى عظمة المقاتلة والمقاتل الكرديين في الدفاع عن كرامتهما، كما تمّ ويتم في أعظم صورة، هدفهما الرئيس كردستانهما وإنسانهما، وإن أُنيطت بهما مهمّات لا ناقة لنا بها ولا جمل، في مرحلة ما قبل سقوط النظام، ولا سيّما بخصوص المجازفة بالدماء البريئة خارج المناطق الكردية، واللامبالاة بالحركة الكردية التاريخية في سوريا، ولجمها وكبحها ومحاولة تدميرها كما فعل ب ك ك في كردستان تركيا.
ما يدور حقيقةً لا مأثرة لمن يتمّ تحريكهم كأحجار شطرنج من وجوه السلطة العابرة في دمشق، بالرغم من أنّ بعضهم يكاد يختنق تحت وطأة عبق عطر ترامبي أو تيجان وهمية وألقاب وصفات فضفاضة هي في حقيقتها أكبر منهم جميعًا جملةً وتفصيلًا، لأنّ من يحرّك هذه الأدوات، وضمن معادلة توافقات دولية، هو العدوّ الرئيس للسوريين ولسورياهم، تحت يافطة العداء لب ك ك الذي تمّ إبعاده تدريجيًّا من مواقع السطوة على ما كانت تُسمّى قوات سوريا الديمقراطية الهشّة التركيب، كترجمة لمصطلح فاشل ونتاج لما سُمّي عسفًا بأخوّة الشعوب، مع تقديري الكبير لكل سوري مؤمن بأخوّة الكردي أو العكس، امتدادًا لروح التآخي الذي أنجزه الكرد في سوريا منذ لحظة تشكيل هذا البلد على أنقاض أكثر من خريطة، من بينها جزء كردستاني. وبديهي أنّ هناك سببين رئيسيين لحرب تركيا على الكرد، أوّلهما أنّها مبنيّة على جزء كبير من خريطة كردستان، وأنّ أكثر من خمسة وعشرين مليون كردي يعيشون على خريطتهم في كردستان تركيا، بالإضافة إلى من هم في مدنها الكبرى، وهي بهذا دولة محتلة لأرض غير أرضها، ناهيك عن استشعار تركيا بهبوب رياح التغيير الشرق أوسطي التي لا ينظر الغرب إلى أدوات السلطة العابرة في دمشق إلا بوصفهم بيادق مؤقّتة فيها، في انتظار تشكّل الخريطة النهائية التي تعزّز دور إسرائيل وتقوّض دور إيران وتركيا، أو تُجزِّئ خريطتيهما. وهو نفسه ما حرّك دولت بهجلي لأداء مسرحية واستجرار السيّد عبدالله أوجلان للعب هذا الدور تحت يافطة السلام الوهمي، وما يدور حاليًّا في كردستان سوريا ليس إلا فضحًا لأكذوبة هذا المخطّط التركي أو هذه النظرية عديمة الجدوى والجذور. ناهيك عن أنّ دولًا خليجية داعمة لسوريا الإسلاموية هي الأخرى لم تتبنَّ السلطة العابرة في دمشق إلا لهذا السبب، في ما يتعلّق بمستقبلها ضمن المخطّط المفترض، وإن كانت إيران الآن في مقدّمة الأضحيات المرشّحة في الشرق الأوسط، نظرًا لدورها المعروف في المنطقة، وما لحق من تخلٍّ عن كرد سوريا إلا نظرًا لأرومة التقارب بين ب ك ك وذلك المحور، بحسب العقل الدولي المبرمج، ليكونوا ضحايا مخطّط فُرض عليهم في الأصل.
ما يتمّ الآن من انشقاقات في هيكل قسد، في نظري، إلى جانب عودة تشكّل وحدة وتلاحم الصفّ الكردي، ظاهرة جدّ صحّية في صالح كرد سوريا، كي تعيد قياداته الوطنية الحريصة النظر في خطابها، وتعود في خدمة قضية شعبها فحسب، بعيدًا عن المغامرة بدماء خيرة شبابنا في حروب انعكست سلبًا علينا، ناهيك عن ازدياد تشويه صورة الشريك الكردي، أو تأكيد نظريتي سلطة البعث وداعش. ومؤكّد أنّ دورة التغيير لا ولن تقف عند محطة تطبيقات العقل الترامبي الذي قد يسير وفق نبوءات كتابي العهد القديم والجديد، شأن نتنياهو، كما يسير سواه من أتباع طوائف إسلامية أخرى على ضوء خطب أساطير آخر الزمان، بينما ثمّة شيء آخر يتمّ ميدانيًّا، ولسنا سوى ساحة اختبار تُقدَّم فيها القرابين. واثق أنّ قضية حقوق شعب كردستان لا تحيا ولا تزول بموجب مرسوم من شخص يقفز من موقع رئيس عصابة إلى رئاسة بلد، سواء أكان ترامبًا أم ربيبه المستجد أبا محمد الجولاني وأشباهه، ولنا في التاريخ القديم والجديد خير الأمثلة، وإن كان الكردي خير وفيّ لخريطة سوريا، فيما أخلص شركاؤه له، الشركاء الذين تساقط بعضهم سريعًا كما أحجار الدومينو متى أُتيحت لهم الظروف، كما الثعبان الذي ينقلب على من أمّن له سبل الحياة والدفء، بعكس الأوفياء الذين كان لسان حالهم: نحن لا نخلع لنا صاحبًا.


