: آخر تحديث

الرّقة ترفض عودة الأقنعة

2
1
2

لم تكن الرّقة يومًا مدينةً عابرةً في الجغرافيا، ولا هامشًا في الذاكرة السورية. كانت دائمًا نهرًا من الحياة، وسهلًا من القمح، ووجوهًا تعرف كيف تبتسم بالرغم من القسوة. لكن السنوات الأخيرة أثقلت قلبها، حتى بدت وكأنها تمشي مثقلةً بالندوب، تجرّ خلفها تاريخًا من الحرمان والجوع والخوف، وتنتظر لحظة صدق تعيدها إلى اسمها الأوّل: مدينةً للحياة.

سنوات طويلة عاشها ابن الرّقة وهو يشعر أنّه غريب في مدينته. لم يكن الفقر وحده ما أنهكه، ولا الجوع وحده ما أرهق روحه، بل ذلك الإحساس العميق بأنّ المدينة التي أحبّها تُدار ضدّه، وأنّ يومه مؤجّل، وغده معلّق، وأنّ أبسط حقوقه باتت حلمًا بعيد المنال. في ظلّ حكم قسد، عرفت الرّقة أشكالًا متعدّدةً من القهر: قهر الخبز، وقهر الدواء، وقهر الخوف، وقهر الانتظار الطويل بلا أفق.

كان المرض امتحانًا مضاعفًا للفقراء. دواءٌ مفقود، أو موجود بسعرٍ يُعادل راتب شهر، ومريض يقف بين خيارين أحلاهما مرّ: إمّا أن يستدين كرامته ليشتري شفاءه، أو أن يستسلم لوجعه بصمت. حتى الطبّ، الذي يُفترض أن يكون ملاذًا إنسانيًّا، صار في بعض وجوهه عبئًا جديدًا، تُرفع فيه أجور الكشف بلا رحمة، وتُقاس الآلام بالقدرة على الدفع. هكذا كانت الحياة اليومية في الرّقة: سلسلةً من الاختبارات القاسية، لا ينجو منها إلّا من تعلّم الصبر حدّ الإنهاك.

ومع ذلك، لم تكن المعاناة مادّيةً فقط. انقطاع الماء والكهرباء، غياب الغاز، شوارع تفتقد لأبسط الخدمات، بطالة تخنق الشباب، وتعليم يتراجع حتى بات كثيرون يرونه رفاهيةً لا يقدرون عليها. كلّ ذلك صنع شعورًا عامًّا بأنّ المدينة تُترك لتواجه مصيرها وحدها، وأنّ أبناءها يُطلب منهم التحمّل إلى ما لا نهاية. ثم جاءت اللحظة الفاصلة.

تحرّرت الرّقة، ولم يكن التحرير خبرًا عاديًّا، بل رجفةً في الذاكرة، وزفرةً خرجت من صدور طال اختناقها. تحرّرت المدينة، لكنها خرجت مثخنةً بالجراح، كمن نجا من غرقٍ طويل وما زال يحمل في رئتيه ماء السنوات. كان الفرح حاضرًا، نعم، لكنه فرحٌ حذر، يشبه ابتسامة من ذاق الألم كثيرًا ولا يريد أن يبالغ في الأمل.

كان تدمير جسري الرّقة الرئيسيين، الرشيد والمنصور، أحد أكثر المشاهد قسوة. لم يكونا مجرّد كتلٍ من إسمنتٍ وحديد، بل كانا شريانين يربطان المدينة بسوريا كلّها. بسقوطهما، شعرت الرّقة أنّها تُعزل من جديد، وأنّ الطريق إلى حلب ودير الزور ودمشق بات أطول وأكثر وجعًا. وحتى الماء، هذا الحقّ البديهي، انقطع لأنّ خطّه الرئيسي كان يمرّ عبر الجسر القديم. كأنّ المدينة كانت تُختبر مرّةً أخرى: هل تستطيعين الصمود حتى وأنت محرومة من أبسط مقوّمات الحياة؟

لكن ما لا يعرفه كثيرون، أنّ الرّقة مدينة تعرف كيف تنهض. تاريخها لم يكن يومًا تاريخ استسلام، بل تاريخ انتظار ذكي، وصبر عنيد. ابن الرّقة الذي جاع، لم يفقد إنسانيته. والذي حُرم، لم يفقد حلمه. والذي خاف، لم يتخلّ عن أمله.

اليوم، تبدأ الرّقة مسارًا جديدًا. ليس مسارًا سهلًا، ولا طريقًا مفروشًا بالوعود، بل خطّ سير شاق، يحتاج إلى عملٍ حقيقي، وإدارةٍ صادقة، وقراراتٍ تُنحاز فيها للإنسان قبل كلّ شيء. يبدأ هذا المسار بإعادة الاعتبار للخدمات: ماء، كهرباء، صحّة، تعليم. ويستمرّ بفتح أبواب العمل أمام الشباب، أولئك الذين يشكّلون الطاقة الأكبر في هذه المدينة، والذين لا يريدون أكثر من فرصةٍ عادلةٍ ليبنوا مستقبلهم بأيديهم.

الرّقة اليوم لا تطلب المستحيل. تطلب فقط أن تُعامل كمدينةٍ تستحقّ الحياة، وأن يُنظر إليها ككنزٍ اقتصاديٍّ وزراعيٍّ وبشريٍّ، لا كعبء. تطلب أن تُرمَّم جسورها، لا فقط من إسمنت، بل من ثقةٍ بين الإنسان ومؤسّساته. تطلب أن تتحوّل دموع السنوات الماضية إلى دافعٍ لا إلى ذكرى تُقيّدها.

هذه لحظة اختبار جديدة، لكنها مختلفة. اختبار للأمل هذه المرّة، لا للصبر فقط. لحظة يمكن أن تعود فيها الرّقة مدينةً نابضة، لا مدينةً جريحة. مدينة تُفرح أبناءها بدل أن تُثقلهم، وتفتح لهم الطريق بدل أن تُغلقه.

مباركةٌ هذه البداية، مهما كانت متعبة. ومباركٌ لابن الرّقة أنّه ما زال واقفًا، ينفض غبار السنوات، ويخطو خطوته الأولى في درب الحياة من جديد. فبعض المدن لا تموت، لأنها ببساطة تعرف كيف تنتظر.

وما ننتظره من محافظ الرّقة اليوم ليس مجرّد إدارةٍ تقليدية، بل موقفًا حاسمًا لا لبس فيه، وسلطةً تُمارَس باسم القانون وكرامة المدينة، لا مجاملةً لأحد ولا خشيةً من أحد. نريده أن يكون صارمًا في مواجهة كلّ من يحاول الإساءة إلى الرّقة أو العبث بمستقبلها، وأن يُغلق الأبواب نهائيًّا في وجه من اعتادوا الاحتماء بادّعاء المشيخة، أو التزيّن بألقابٍ وهميةٍ ومكاناتٍ مصطنعة لم تُنتج يومًا سوى مزيدٍ من الخراب.

لقد آن الأوان للتخلّص من هذه الواجهات الخادعة إلى الأبد، فهي لم تكن في يومٍ من الأيام ركيزةً للبناء، بل كانت عبئًا ثقيلًا على المدينة، وأداةً لتعطيل العدالة، وتكريس المصالح الضيّقة على حساب الصالح العام. إنّ الرّقة لا تُبنى بالرموز المستهلكة، ولا بالأسماء التي تغيّر ولاءاتها مع تغيّر الرياح، بل تُبنى برجال دولة، وبمؤسّسات تحكمها الكفاءة والمساءلة، لا القرابة ولا الادّعاء.

ونرفض بشكلٍ قاطع العودة إلى نقطة الصفر، حيث يُستبدل العمل الحقيقي بالتغنّي بالماضي، وتُستحضر الآهات بدل الخطط، ويُعاد تدوير الفشل على هيئة حنينٍ زائف. فالماضي، بكلّ ما فيه من أوجاع، ليس مشروعًا للمستقبل، ومن يتّخذ منه ملاذًا إنما يهرب من مسؤولية الحاضر.

إنه نداء صارخ نوجّهه إلى محافظ الرّقة والقيادة الحالية: كونوا على قدر اللحظة، واصنعوا رؤيةً مختلفةً وجريئة، تعيد الاعتبار لقيمة الإنجاز، وتُحيي روح النجاح، وتضع المواطن البسيط، «المعتّر»، في صدارة الاهتمام، لا في هامش الخطابات. فهذا المواطن هو جوهر الرّقة وعمودها الفقري، وتأمين حاجاته الأساسية ليس منّة، بل واجب لا يقبل التأجيل ولا التسويف.

كما نطالب، بلا مواربة، بإقصاء أهل المصالح والانتهازيين والمرتزقة عن دوائر القرار، أولئك الذين لم يروا في الرّقة يومًا سوى ساحة نفوذ أو فرصة ربح، وفي مقدّمتهم بعض من يُطلق عليهم شيوخ العشائر، ممّن كانوا الأكثر استفادةً من الفوضى، أو الأكثر استعدادًا للتحالف مع أي سلطةٍ تضمن لهم الامتيازات. وهم أنفسهم الذين تقرّبوا سابقًا من قسد وشاركوها أو صمتوا عن ممارساتها، ثم عادوا اليوم متقمّصين دور الحريصين على أهل الرّقة، في مفارقة لا تخلو من الوقاحة السياسية.

إنّ الرّقة اليوم أمام مفترقٍ حاسم: إمّا قطيعة شجاعة مع كلّ ما عطّلها وأهانها، وإمّا إعادة إنتاج المنظومة ذاتها بأقنعةٍ جديدة. وأهل الرّقة، الذين دفعوا ثمن الصمت والصبر سنواتٍ طويلة، لم يعودوا مستعدّين لقبول الخيار الثاني.

الرّقة تستحقّ إدارةً لا تُساوم، وقرارًا لا يرتجف، ومستقبلًا يُبنى بالفعل لا بالادّعاء، كما أنّ الرّقة ترفض وبشدّة تدوير الأقنعة.

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.