: آخر تحديث

السنوات الخمس الأصعب في حياة غزة

4
4
4

 

لم يعد السؤال عن شكل الحياة في قطاع غزة خلال السنوات الخمس المقبلة مجرد تمرين في الاستشراف السياسي أو ترفًا فكريًا يمارسه القابعون خلف الشاشات؛ بل بات ضرورة وجودية تمليها مشاهد الدمار الذي لم يترك حجرًا فوق حجر، وانهيار مجتمعي يتسلل ببطء كملح في جراح الناس. غزة اليوم ليست مجرد ساحة حرب مفتوحة، بل مختبر قاسٍ لقياس قدرة الروح البشرية على الاحتمال في ظل انسداد الأفق وتآكل أبسط مقومات العيش الآدمي.

القراءة الموضوعية لمسار الأحداث تشير إلى أن ما يُسمّى بـ«اليوم التالي» للحرب قد بدأ فعليًا، لا في غزة، بل في العقل الإسرائيلي ودهاليز القرار الدولي. وهو «يوم» لا يشبه ما سبقه، إذ لم تتعرض البنية التحتية لدمار مادي فحسب، بل جرى تمزيق العمود الفقري للحياة اليومية؛ من مشافٍ تحولت إلى أطلال، ومدارس غاب عنها جرس الحصص ليحل محله دوي القذائف. خلال السنوات الخمس المقبلة، سيعيش الفلسطيني في غزة داخل فضاء هش، حيث لا تنتهي الحرب بوقف إطلاق النار، بل تبدأ حرب أخرى ضد الفقر والبطالة والجراح النفسية العميقة التي ستطبع جيلًا كاملًا من الأطفال الذين لا يعرفون عن العالم الخارجي سوى ملمس الركام وصوت الطائرات المسيّرة.

اقتصاديًا، نحن أمام مشهد أقرب إلى الجنائزي؛ فالفقر لم يعد حالة طارئة، بل تحوّل إلى بنية ثابتة. وحتى لو تدفقت أموال إعادة الإعمار، فإن التجربة التاريخية تُظهر أن هذه الأموال تبقى رهينة المقايضات السياسية والقيود الصارمة على المعابر. السنوات المقبلة مرشحة لأن تكون محاولات لترميم «الحد الأدنى» من الحياة، حيث يظل الاقتصاد الغزي معلقًا على حبال المساعدات، عاجزًا عن التحول إلى اقتصاد منتج في ظل حصار يُعاد إنتاجه بأشكال مختلفة. من هنا، يبدو الحديث عن تنمية مستدامة في غزة أقرب إلى الوهم، ما لم يحدث اختراق سياسي شامل يعيد تعريف العلاقة بين الإعمار والحرية.

سياسيًا، تبدو المفاوضات الجارية وكأنها تدور في ساقية مفرغة. فاستراتيجية «إدارة الصراع» بدلًا من حله، التي تتبناها قوى دولية فاعلة، تعني عمليًا إبقاء غزة على أجهزة الإنعاش، دون معالجة جذور الأزمة. وفي هذا السياق، لا بد من وقفة مكاشفة هادئة؛ إذ يفرض منهج حركة حماس في إدارة المشهدين السياسي والعسكري تساؤلات جدية حول جدوى الرهانات الإقليمية التي لم توفر حماية حقيقية للمدنيين، وحول كلفة تغليب منطق المواجهة المفتوحة دون امتلاك شبكة أمان سياسية أو اجتماعية تقي السكان من الانكشاف الكامل أمام آلة الحرب. هذا الطرح لا يعفي الاحتلال من مسؤوليته الأخلاقية والقانونية بوصفه قوة استعمارية، لكنه يضع قيادة الحركة أمام سؤال لا يمكن تأجيله: هل كانت الكلفة المتراكمة متناسبة مع النتائج؟

اجتماعيًا، يبرز التحدي الأخطر في السنوات الخمس المقبلة في تآكل الأمل ذاته. فعندما يصبح حلم الشاب الغزي محصورًا في الهجرة، وعندما ينهار النظامان التعليمي والصحي تحت وطأة الاستنزاف، نكون أمام خطر التفكك الصامت. غزة، التي عُرفت تاريخيًا بصلابتها الاستثنائية، تُدفع اليوم نحو حافة يأس ممنهج، لا يقل خطورة عن دمار الأبراج والمنازل.

ومع ذلك، فإن التاريخ الفلسطيني يذكّرنا دومًا بأن هذا الشعب يمتلك قدرة نادرة على النهوض من تحت الرماد. غير أن هذا النهوض، إن كُتب له أن يتحقق خلال السنوات المقبلة، يظل مشروطًا بوجود مشروع وطني موحد، يخرج غزة من كونها ورقة ضغط أو ساحة اختبار لصراعات إقليمية، ويعيدها إلى مكانها الطبيعي جزءًا أصيلًا من مشروع الدولة الفلسطينية. دون ذلك، سنكون أمام خمس سنوات من إدارة الموت البطيء، يتغير فيها شكل الخيام، بينما يبقى جوهر المأساة على حاله.

غزة اليوم تقف عند مفترق طرق تاريخي: إما أن يتحول حطامها إلى حجر أساس لمستقبل يقوم على الكرامة والحقوق، أو أن تظل رهينة لمسكنات مؤقتة تؤجل الانفجار الأكبر. وفي نهاية المطاف، لا يبحث الفلسطيني في غزة عن شعارات كبرى، بل عن سقف آمن، ومدرسة لأطفاله، ومستقبل لا يُقاس بعدد السنوات الفاصلة بين حرب وأخرى.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.