: آخر تحديث
حقيقة الكذب في السياسة الدولية

لماذا يكذب القادة؟ (1/2)

19
19
20

عنوان هذه المقالة، هو عنوان الكتاب الذي قام بتأليفه البروفيسور "جون ميرشيمر"، أستاذ العلوم السياسية في جامعة شيكاغو الامريكية، وأحد ابرز الباحثين الأمريكيين في السياسة الخارجية. العنوان الأصلي هو:                       “Why Leaders Lie – The Truth about Lying and International Politics”.

يقال ان السياسي لا يكذب، ولكنه "يقتصد في قول الحقيقة"، ولأن السياسة هي فن الممكن فإنها اكثر عرضة للكذب كسلوك انساني موجود بكثرة في الممارسة السياسية العادية. 

يقول المؤلف في مقدمة الكتاب: على الرغم من ان الكذب يعد عملا مشينا في الحياة العادية، يبقى سلوكا مقبولا في السياسة الدولية، حيث تظهر في بعض الحالات مبررات استراتيجية لكي يكذب القادة على دول أخرى، او على شعوبهم. ومع ذلك لا يمارس الكذب بكثرة بين الدول. إضافة الى ذلك، يبدو ان القادة اكثر ميلا الى الكذب على شعوبهم في شؤون السياسة الخارجية من كذبهم على الدول الأخرى. ويبدو ان هذا صحيح في الدول الديمقراطية والتي لديها سياسات خارجية طموحة، وتميل الى شن الحروب باختيارها، أي عندما لا يكون هناك خطر واضح يهدد مصالح البلد، ولا يمكن التعامل معه إلا بالقوة، وينطبق هذا الوصف على الولايات المتحدة في السبعين سنة الأخيرة.  

في هذه العجالة، سوف نتطرق لموضوع "لماذا تكذب الدول بعضها على بعض"، وأنواع الكذب. يقول المؤلف: يعود السبب الرئيس في كذب القادة على جمهور اجنبي الى كسب تفوق استراتيجي عليه. ولأن الدول تعيش في عالم فوضوي، حيث لا احد يحرسها من الأخطار، فليس امامها سوى خيار توفير الحماية الذاتية. وتتمثل أفضل الطرق التي تعزز بها الدول فرصها في البقاء في اكتسابالقوة للتفوق على قريناتها من الدول. بإمكانها أيضا ان تلجأ الى أسلوب الخديعة، الذي من ضمنه الكذب، لكي تكون لها الأفضلية على عدو محتمل.

من واقع الممارسة، يتخذ الكذب بين الدول أشكالا مختلفة، ويتبع منطقا مختلفا. اليكم بعضا من تلك الأساليب/الأنواع التي تكذب فيها الدول بعضها على بعض:

النوع الأول: يحدث عندما يبالغ القادة أحيانا في تصوير قدرات دولهم بقصد ردع العدو، او حتى اخضاعه. على سبيل المثال، كذب "هتلر" بشأن قدرات جيشه في الثلاثينيات. فقد حاول تضخيم قوة الدفاع الألمانية لتثبيط همم بريطانيا وفرنسا في التدخل لإعاقةتسليح المانيا، بالإضافة الى تحركات سياسته الخارجية العدوانية.

النوع الثاني: هو عندما يكذب القائد للتقليل من قدرات جيشه الحربية، او التقليل من سلاح حربي معين، او حتى اخفائه تماما عن الدول المنافسة. وقد يهدف من ذلك الخداع الى تحاشي استفزاز أي هجوم قد يهدف الى تدمير تلك القدرات. على سبيل المثال، كذبت إسرائيل على الولايات المتحدة في الستينيات عن مشروعها النووي الناشئ خوفا من ان تجبر واشنطن الدولة اليهودية على إيقاف ذلك المشروع اذا عرفت ما كان يجري في مفاعل ديمونا النووي. وقد كتب "هنري كيسنجر" في العام 1969م "إن هذا هو احد البرامج التي ظلت إسرائيل تخدعنا به بإصرار مستمر.

النوع الثالث: عندما يخفي زعماء بلد ما نواياهم العدوانية تجاه دولة ما، للتمويه على نوياها في الهجوم. افضل مثال على ذلك، يخص اليابان والاتحاد السوفيتي في آخر سنة من الحرب العالمية الثانية. كانت بين البلدين اتفاقية حياد اغلب سنوات الحرب، ولكن في يالطا في فبراير 1945م، عاهد ستالين كل من تشرشل وروزفلت على ان الجيش الأحمر سوف يهاجم اليابان في غضون ثلاثة شهور بعد هزيمة المانيا النازية. وقد خالج اليابانيين الشك بأن ثمة ما يجري في يالطا، فسألوا نظرائهم في موسكو عن ذلك فاكدوا لهم ان "علاقاتهم عادية وثابتة ومستندة الى اتفاقية الحياد". بيد انه في الثامن من أغسطس من العام 1945م شن السوفييت هجوما على اليابان.

النوع الرابع: يمكن للدولة فيه ان تكذب لتتستر على نواياها العدائية تجاه دولة أخرى منافسة، ليس بغرض تسهيل عملية الهجوم، بل لتتحاشى استفزاز تلك الدولة. وقد برز هذا المنطق عندما عقدت دول أوروبا الغربية معاهدتين للدفاع المشترك، وهما معاهدة دنكرك في العام 1947م، ومعاهدة بروكسل في العام 1948م. ويقال ان كلتا المعاهدتين كانتا بمنزلة كوابح لطموح المانيا المتعافية. ولكن حقيقة الامر، فإن الاتفاقيتين كانتا قد أبرمتا أساسا لاحتواء التوسع السوفيتي في أوروبا. وقد كذب القادة البريطانيون والفرنسيون بخصوص هذه التحالفات لأنهم لا يريدون استفزاز الاتحاد السوفيتي - الذي كانوا يرون فيه تهديدا خطيرا لهم – إن كان بالإمكان تجنبه.  

النوع الخامس: هو عندما تحاول الدولة ان تؤثر في تصرفات ونشاط دولة أخرى منافسة، وذلك عن طريق التهديد بالهجوم عليها، حتى إن لم تكن هناك نية حقيقة بشن الحرب. والغرض من هذا التهديد الوهمي هو اخضاع واجبار العدو على القيام بشيء لم يكن في الأساس يريد ان يقدم عليه. على سبيل المثال، شعرت حكومة الرئيس "ريغان" في أغسطس 1986م بالقلق من نوايا إرهابية محتملة من الرئيس الليبي "معمر القذافي". ولمنع تحققها نشر البيت الأبيض تقارير كاذبة بشأن ضربة أخرى سوف توجه الى "القذافي"، وربما تدبير انقلاب عسكري لإقصائه عن الحكم.

النوع السادس: من المحتمل ان يسعى القادة الى الكذب لكي يستفزوا دولة أخرى حتى تهاجمهم، او تهاجم غيرهم. وقد فعلها المستشار البروسي "بسمارك" في العام 1870م. كان "بسمارك" ملتزما بتوحيد المانيا، وكان يعلم ان استفزاز فرنسا حتى تعلن الحرب على بروسيا، او حتى اختلاق ازمة كبيرة لدفع فرنسا الى حالة فوضى، سيساعد في تحقيق هدفه. ولذلك سعى سعيا حثيثا في ربيع العام 1870م الى تنصيب أمير من بروسيا على عرش الحكم في إسبانيا، مدركا ان ذلك سيثير غضبا عارما في فرنسا. ومع ذلك أنكر أي دور له في تلك المؤامرة، وكان انكاره ذاك كذبا. 

النوع السابع: هو عندما يؤدي قلق دولة ما من ان حلفاءها لن يأخذوا خطر الدولة المنافسة لها مأخذ الجد، الى الكذب عبر المبالغة في إمكانيات تلك الدولة الحربية، او سلوكها العدواني، حتى تثير انتباه حلفائها الى الخطر. وقد لجأت حكومة "بوش الابن" الى هذا النوع من الكذب في العام 2005م، عندما شعرت بأن الصين واليابان وكوريا الجنوبية لم يقدروا جدية الخطورة التي تشكلها كوريا الشمالية. ولكي تستثير انتباههم إدًعت بأن كوريا الشمالية قد باعت ليبيا مادة اليورانيوم (يورانيوم هيكسافلورايد)، وهو مكون أساس لصناعة اسلحة نووية. بيد ان ذلك لم يكن صحيحا، فقد كانت باكستان وليست كوريا الشمالية هي التي باعت المادة الي ليبيا.

النوع الثامن: هو عندما يحاول الزعماء التضليل لتسهيل عمليات التجسس او التخريب في وقت السلم، وكذلك للتخفيف من مغبة السقوط دوليا في حالة اكتشاف فعلتهم في التجسس والتخريب. وتمثل فضيحة وزير الدفاع الإسرائيلي "بنحاس لافون" المشينة، المتورطة فيها إسرائيل مثالا على هذا النوع من أنواع الكذب بين الدول. ففي العام 1954م سعت إسرائيل الى تخريب علاقة مصر مع بريطانيا والولايات المتحدة، وذلك بزرع شبكة جاسوسية إسرائيلية داخل مصر لهدم المنشئات البريطانية والأمريكية وجعلها تبدو وكأن المصريين هم المسؤولين عن ذلك التخريب. وبعد تفجير مكتبي مركز المعلومات الأمريكي في الإسكندرية والقاهرة وضرب بعض الأهداف الأخرى في أماكن متعددة، انفرط عقد الخطة التآمرية، وجرى القبض على المخربين. ولم يكن من المستغرب ان يصرح رئيس الوزراء الإسرائيلي "موشي شاريت" كذبا بأن المسألة برمتها مكيدة دنيئة دبرت في الإسكندرية، وان محكمة صورية عقدت لمحاكمة مجموعة من اليهود الذين سقطوا ضحية لاتهامات كاذبة. 

النوع التاسع: تكذب الدول لتحسين وضعها العسكري في اثناء تجهيزها للعمليات العسكرية في زمن الحرب. مثلا، في الحرب العالمية الثانية، أطلق البريطانيون حملة تضليل واسعة ضد المانيا النازية كان الكذب فيها امرا عاديا. في هذا السياق، قال "تشرشل" كلمته الشهيرة: "في زمن الحرب يصبح الصدق شيئا ثمينا لا بد ان يحاط بسياج من الأكاذيب". كما أكد الرئيس الأمريكي "روزفلت" في العام 1942م انه "على استعداد ان يضلل ولا يقول الصدق إذا كان ذلك يساعده في كسب الحرب". 

النوع العاشر: يحدث حين يلجأ القادة الى الكذب للخروج بأفضل النتائج لمصلحة دولهم في اثناء التفاوض بشأن الاتفاقيات والمعاهدات الرسمية الأخرى. ولربما يكذبون على نظرائهم في التفاوض بخصوص املاكهم او قدراتهم. وأكثر من ذلك، ربمايخادعون بشأن السعر التحفظي الذي فوقه او تحته لا يمكن ان يتم أي اتفاق. وكثيرا ما نجد هذا النوع من الكذب في مواقع عديدة، منها: حظر السلاح، ومفاوضات وقف الحرب على الصعيد الأمني، والديون العالمية، والتعاملات التجارية في الجانب الاقتصادي. في هذا السياق، كذبت اليونان بشأن عجز ميزانيتها للسنوات المطلوبة حتى يتسنى لها الدخول في منطقة اليورو، مدعية ان عجزها اقل من 3%، في حين انه لم يكن كذلك. وقد نجحت كذبتها، واستطاعت ان تستخدم اليورو كعملة لها في العام 2001م.

تعود نزعة "كذب الدول بعضها على بعض" الى القيمة العالية التي تضعها الدولة لبقائها، فالدول التي تعيش في مناطق النزاع يتولد لديها شعور بعدم الأمان والاطمئنان، وأنها دائما معرضة ومكشوفةامام العدو، ولذلك تلجأ الى كل الطرق والاستراتيجيات المتاحة لتقوية سبل الامن.  

في المقالة القادمة بمشيئة الله، سوف نعرض الجزء الاخر من كذب القادة، وهو "الكذب على شعوبهم".

آخر الكلام: شكرا للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدولة الكويت الشقيقة لترجمته هذا الكتاب القيم الى اللغة العربية، واصداره في شهر ديسمبر 2016م ضمن سلسلة كتب عالم المعرفة (العدد 443). 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في فضاء الرأي