نحن العرب أمة أمية، لذلك كانت الرواية الشفهية هي السائدة في المجتمعات العربية، وفي ظني أن الشعر العربي انتشر بسبب هذه الأمية، لذلك اخترع العرب قالباً يُسهل عليهم حفظ أحداثهم وتاريخهم وهو الشعر، كونه يسهل عليهم حفظ تاريخهم وغرامياتهم وأحداث مجتمعهم، وانسحبت الرواية الشفهية حتى على بيوعهم وتجارتهم، لذلك كانت تجارتهم قائمة على الثقة وكانت كلمة التاجر عبارة عن عقد لا يمكن كسره، وساعد على ذلك صغر المجتمعات في البلدات، حيث كانت أغلب البيوع والتعاقدات تتم في السوق، وكان إنكارها أمراً صعباً وقد يكلف التاجر سمعته، واستمرت البيوع تتم عبر الثقة حتى وقت قريب، وكان يُروى عن رجل الأعمال محمد بن سيار (رحمه الله) وهو تاجر عقارات في العاصمة السعودية الرياض، أن بيوعه كانت تتم عبر الثقة وكان لا يوقِّع العقود، وهذا ما رواه لي بعض من تعاملوا معه، ولعلّ ذلك يكون امتداداً لثقة المشافهة التي كانت سائدة منذ الزمن الجاهلي.
الزمن تغيَّر وكبرت المجتمعات وكذلك نشأت كيانات تجارية ولم يعد التعامل الفردي هو السائد، لذلك يجب علينا في تجارتنا وتعاقداتنا أن ننتقل من زمن المشافهة إلى زمن الكتابة لأننا تحولنا من التعامل الفردي إلى التعامل المؤسسي، والعاملون في المؤسسات غير دائمين، ولن أستطرد وسأبدأ بأبسط الأشياء: أحدهم اشترى سيارة تعد فاخرة نسبياً، ووكيلها ذو سمعة جيدة وكانت قيمة السيارة تقترب من نصف مليون ريال (133.3 ألف دولار)، وفي أثناء عملية التفاوض للشراء وكنوعٍ من الإغراء ذكر له الموظف أن له صيانتين مجانيتين إلى جانب المميزات الأخرى، صاحبنا اشترى السيارة وحان وقت الصيانة الأولى، وبالفعل كانت مجانية وكانت تشمل تغيير الزيوت فقط كون السيارة جديدة.
وفي الزيارة الثانية فوجئ صاحبنا بالموظف يقول له: المجاني شغل اليد فقط وعليك دفع قيمة الزيوت، حاول صاحبنا أن يذكِّرهم بالتزامهم، وخاطب مديرهم الذي قال له: أيُّ موظف أبلغك بذلك؟ لم يتذكر صاحبنا من أخبره بالصيانة المجانية، فدفع الثمن. لذلك يجب علينا كأفراد أن نطلب كلاماً مكتوباً على الورق بالالتزامات، وأن يكون ذلك شرطاً مُلزماً يعاقَب من يخالفه.
ذكرت لكم أبسط مثل، أما الطامة الكبرى فنجدها في مسوِّقي خدمات البنوك الذين يضعون الشمس في يد والقمر في الأخرى، وفي أول مدة التعامل معهم تجد ما ذكره المسوق صحيحاً، وبعد أن تشتبك معهم في التعاملات تجد الامتيازات بدأت تتناقص واحداً تلو الآخر، وعند السؤال تجد الإجابة واحدة وهي «تغيرات القوانين»، المُهم أنهم شدوا رجلك للتعامل معهم.
ومسوقو العقارات في دبي يجعلون الطريق أمامك وردياً ويذكرون محاسن الاستثمار معهم، وبعد أن يأخذوا الدفعة الأولى ينسحب المسوق وتتعامل مع آخرين حتى لا يكون ملزماً بما تعهد به، والطريف أنه يذكر من ضمن الامتيازات حصولك على الإقامة، وحينما تحصل على الإقامة وترغب في فتح حساب بنكي تصطدم بقانون يقول لك: يجب أن يكون لديك دخل في الدولة، أي الإمارات، وهو ما لم يذكره لك المسوق، فتصبح الإقامة عديمة الجدوى، وأستغرب لماذا يجب أن يكون لدى المستثمر دخل في الدولة؟!
ألا تكفي ملاءته الخارجية لتمكّنه من فتح حساب بنكي؟ المُهم هذا هو الشرط، للأسف هذا يحصل في جميع دولنا العربية، حيث لا يتم الوفاء بجميع الالتزامات، لذلك وجب الانتقال من المشافهة إلى التحرير حتى نضمن حقوق الأفراد. ودمتم.

