: آخر تحديث

ما الجديد في نظام العالم؟

5
5
3

يوشك القارئ الخبير أن يسخر عندما يقرأ مصطلح «نظام العالم»؛ لأنّ المشاهَد أنه ليس للعالم في هذا الزمان نظام يعترف به الجميع ويتبعون تعليماته. ويختلف الأمر بعض الشيء عندما نتحدث عن النظام الدولي؛ إذ هناك منظمة لها مقر رئيس وكل دول العالم داخلة فيها والمفروض أنها تضمن استقلالها ووحدة أراضيها وسلطاتها. والمنظمة المذكورة (الأمم المتحدة) تعقد مؤتمرها السنوي هذه الأيام في مقرها بنيويورك، ويحرص سائر الرؤساء أو المسؤولين الكبار في الدول على الحضور والكلام في الاجتماع إثباتاً للمشروعية والاعتراف والمقام العزيز بين الدول وفي النظام الدولي.

لماذا هذا الكلام الآن على النظام الدولي ونظام العالم أو لا نظامه؟!

هذا العام ما حضر اجتماع نيويورك من كبار العالم غير الرئيس ترمب، وغاب الصينيون والروس والهنود. أما الأوساط، فلم يحضر منهم غير الرئيس الإيراني ورئيس الوزراء الإسرائيلي. لقد حضر الرئيس الأميركي لأن عنده مطالب من الأمم المتحدة كانت الولايات المتحدة في زمنها الليبرالي قد اشترعتها! ثم خفّ للاجتماع بالرئيس الصيني في واشنطن. أما الرئيس الإيراني، فقد حضر لأنّ بلاده محاصَرة وهو محتاج إلى الكلام مع الحاضرين إلى الأمم المتحدة سواء صغروا أم كبروا. أما الإسرائيلي، فقد حضر لأنه محتاج إلى المجيء إلى أميركا قبل الانتخابات وما استجابوا له فوجد في مناسبة نيويورك فرصةً ويتعذر على الأميركان بعدها ألا يقابلوه!

ليس من الضروري القول إنّ الأمم المتحدة ما عادت مهمة. فإن لم يعد مجلس الأمن قادراً على حفظ السلام؛ فإنّ وكالاتها ومفوضياتها شديدة الأهمية في تقديم المساعدات المتنوعة للدول الفقيرة، والأخرى التي تعاني من الحروب والنزاعات الداخلية، أو التي تثيرها دولٌ أخرى مجاورة أو بعيدة. والحق يقال أنّ أحداث السنوات الماضية التي استشرت فيها الحروب وتوسعت مناطقها، ما استطاع مجلس الأمن رغم كثرة التصويت أن يوقف أياً منها وليس في حالات الخلاف فقط؛ بل في حالات التوافق أيضاً؛ لأن الطرف القائم بالحرب أو الداعم لها لا يستجيب رغم موافقته ظاهراً على إنهاء النزاع!

ولنلاحظ أمراً آخر يبدو في التحالفات. ففي زمن الحرب الباردة، كان هناك قطبان: الولايات المتحدة، والاتحاد السوفياتي. ودول العالم إما أن تكون تابعةً لهذا القطب أو ذاك. فإذا شبّ نزاعٌ في إحدى الدول، فمسؤولية الحليف الكبير إنهاؤه. وقد نجح الاتحاد السوفياتي في إخماد نزاعات أثارتها الولايات المتحدة في معسكره بالقوة المباشرة. أما النزاع الأفغاني الذي تدخل فيه الروس ونصرت الولايات المتحدة «المجاهدين» ضد الروس والحكومة الشيوعية بالبلاد؛ فإنه لم يخمد حتى بعد اتفاق الروس مع الأميركيين على الانسحاب. فلما انسحبوا شب النزاع بين كتائب المجاهدين على السلطة إلى أن استولت «طالبان» عليها.

من معالم ضعف النظام الدولي، أن الدول ما عادت تقتصر على حليفٍ أو تحالف واحد. كانت الدول الوسطى مثل الهند والبرازيل وألمانيا تطالب بإصلاح نظام الأمم المتحدة في نقاط عدة، أهمها العضوية في مجلس الأمن وهي قاصرة على الخمسة الكبار الذين شاركوا في الحرب العالمية الثانية. أما الآن، فما عادت الدول الوسطى ولا الصغرى تكتفي بعضوية الأمم المتحدة، بل تعدّد تحالفاتها حسب المصالح القريبة. وبالطبع، لا يزال التحالف مع الكبار مطلوباً ومرغوباً. لكن حتى مع التحالف مع الكبار لا مانع من التماس تحقيق مصلحة أو اثنتين أو اتقاء شرور النزاع من التحالف مع الدولة القوية والقريبة أو الدولة الغنية التي تستطيع المساعدة.

وهكذا، فالتحالفات اليوم متعددة لتعدد الاصطفافات، كما أنها أكثر براغماتية وأقلّ آيديولوجية. وقد يكون الاستقلال الاستراتيجي من طريق التعديد بين أهداف التحالف. وهكذا يصبح التحالف حزمةً متكاملةً من المصالح يشبه أن تكون شبكات بسبب غلبة السيولة عليها، وتصدع مقولتي الغرب والشرق إلى حدٍ بعيد. لكن تبقى معالم عدة: أن التكنولوجيا في قلب التحالفات، كما أن التحالف صار عبارةً عن أداةٍ لإدارة المخاطر وليس تعبيراً عن هوية ثابتة. ومن جملة إدارة المخاطر والمصالح معاً اتجاه القوى الوسطى لتعديد تحالفاتها ذات الاتجاهات المختلفة.

كثيرون ظنوا حقبة الحرب الباردة شراً مطلقاً. لكن مع هذه التحالفات التي لا تنتهي ما ازداد الأمن العالمي ولا الإقليمي، وظهرت أشكال من النزاعات والتدخلات والميليشيات التي ما عرفتها الحقبة السابقة. والاتفاق على نظامٍ بديل من الكبار شبه مستحيل. ولله في خلقه شؤون.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد