: آخر تحديث

«فَجر اليمن»... من استعادة الأرض إلى استعادة الدولة

4
5
4

خطر ببالي أثناء إعلان رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي انطلاق عملية «فجر اليمن» مقالاً قديماً كتبه المفكر الأميركي فرانسيس فوكوياما في مجلة «ذا أتلانتيك» عام 2004 عن بناء الدولة. استوقفتني فيه أهمية الانتقال من تحقيق الاستقرار إلى بناء مؤسسات تستطيع الوقوف على قدمَيها وتحمل مسؤولياتها. وأرى أن هذه الفكرة حاضرة في التحدي الذي تواجهه الحكومة اليمنية اليوم؛ فالعملية التي انطلقت بدعم من «التحالف» بقيادة السعودية تتيح فرصة لاستعادة الدولة وليس فقط استعادة الأرض. وهذا يستلزم أن يواكب التقدم العسكري عملاً سياسياً يوحّد صفوف الشرعية، ويكسب ثقة اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين، ويحشد الدعم الدولي لاستعادة الدولة وبسط سلطتها.

ميليشيات الحوثي لا تمثل إلا نسبة صغيرة جداً من المكون اليمني، لكنها استغلت خلال السنوات الماضية الانقسامات داخل صفوف القوى المنضوية تحت مظلة الشرعية وتنافسها على النفوذ، مما أتاح لها توسيع نفوذها وسيطرتها، وأضعف القدرة على مواجهتها بصورة متماسكة. وبالتالي تبدأ مسؤولية الحكومة بتوحيد هذه القوى حول مشروع استعادة الدولة، ومعالجة تعدد مراكز القرار وتباين الأولويات، حتى لا تنتقل خلافاتها إلى إدارة المناطق المستعادة. وهنا تبرز أهمية استعادة زخم الحوار الوطني الشامل والبناء على مخرجاته، بوصفها أساساً لتقريب المواقف وتنظيم الشراكة السياسية تحت مرجعية الدولة. فالحوار الذي انطلق عام 2013 جمع كافة ممثلي القوى السياسية ومكونات المجتمع اليمني، وأتاح مناقشة أسس الدولة ونظام الحكم والحقوق والحريات بكل شفافية. وقد أعلن المبعوث الأممي آنذاك الاتفاق على أكثر من 90 في المائة من مخرجاته، قبل أن يعطّل الانقلاب الحوثي مسار الانتقال السياسي وتنفيذ تلك المخرجات. وبالتالي يمكن للحكومة أن تستند إلى هذه التوافقات لتقريب المواقف ومعالجة المطالب السياسية عبر التفاوض والمشاركة، وترسيخ الالتزام بمرجعية الدولة ووحدة قرارها. فالخلاف حول مستقبل الحكم وتوزيع السلطة والثروة ينبغي أن يجد طريقه إلى الحوار والتنافس السياسي تحت سقف الدولة ومؤسساتها الدستورية. وكلما نجحت الحكومة في ترسيخ هذه القاعدة ضاقت المساحة التي يستطيع الحوثيون استغلالها، وتعززت ثقة اليمنيين بقدرة الدولة على استيعاب اختلافاتهم وحماية مصالحهم.

وتأتي دعوة «العودة الآمنة» التي أعلنها رئيس مجلس القيادة الرئاسي لتكون مدخلاً لتوحيد الصف الوطني، وكسب ثقة السكان في مناطق سيطرة الحوثيين، وإتاحة الفرصة لهم للعودة إلى أهلهم وحياتهم المدنية. وسوف تكتسب هذه الدعوة مصداقية عالية إذا تم تسريع الإجراءات التنفيذية المتعلقة بقرار «العودة الآمنة» بعد استكمال مسارها الدستوري والقانوني. فحماية السكان وممتلكاتهم، ومنع الملاحقة على أساس الانتماء المناطقي أو المذهبي، وحصر المساءلة في المسؤولية الفردية وفق القانون، وتوفير الخدمات الأساسية... سوف تعزز بلا شك الثقة بالحكومة وتمنح دعوة «العودة الآمنة» مصداقية أكبر. فالمواطن اليمني الذي أنهكته سنوات الحرب لا يريد أكثر من أن يطمئن إلى أمن أسرته ومصدر رزقه، وأن يجد مؤسسات قوية تحمي حقوقه وتضمن له العدالة. وحين يشعر المواطن أن معيشته تحسنت، وأن القانون يطبق على الجميع، سوف تقوى وتزداد ثقته بالدولة ويطمئن إلى مستقبله ومستقبل أبنائه. ومع ترسخ هذه الثقة تتراجع قدرة الحوثيين على تخويف السكان وربط مصيرهم ببقاء الجماعة، ويتسع التأييد الشعبي لعودة مؤسسات الدولة.

أما على الصعيد الدولي، فالتحرك الدبلوماسي رفيع المستوى يعدُّ مهماً جداً لمخاطبة المجتمع الدولي والإقليمي. ويعتبر قرار مجلس الأمن «2216» والقرارات اللاحقة الخاصة باليمن هي الأساس والمرجعية لهذا التحرك، بما تضمنته من مطالبة الحوثيين بالانسحاب من المناطق التي استولوا عليها، وتسليم الأسلحة التي انتزعوها من المؤسسات العسكرية والأمنية، والتوقف عن ممارسة اختصاصات الحكومة الشرعية، إلى جانب استئناف المفاوضات للوصول إلى حل سياسي توافقي. ويقتضي ذلك تكثيف التواصل مع الأمم المتحدة والعواصم المؤثرة لتحويل التأييد السياسي إلى مساندة عملية، تشمل دعم تنفيذ القرارات الدولية، والحد من تدفق السلاح إلى الجماعة، ومساعدة الحكومة على استعادة الخدمات وإنعاش الاقتصاد. فكلما اتضحت التزامات الحكومة وأولوياتها، ازدادت قدرتها على إقناع الشركاء بأن دعمها سيقود إلى استقرار مستدام. كما أن ارتباط استقرار اليمن بأمن المنطقة والملاحة الدولية يمنحها أساساً للمطالبة بمشاركة أوسع في تحمل الأعباء، وإسناد الجهود السعودية، وتمويل التعافي وإعادة الإعمار. وبذلك يصبح الدعم الدولي عاملاً يساعد الدولة اليمنية على تثبيت حضورها، والوفاء بمسؤولياتها تجاه مواطنيها.

ويبقى التحدي الأهم أن تفتح «فجر اليمن» الطريق لإنهاء دورة الصراع التي أنهكت البلاد. فملامح المرحلة المقبلة تتشكل منذ الآن، والقرارات التي تتخذها الحكومة أثناء العملية ستترك أثرها في فرص السلام بعدها. ولهذا، فإن التفكير في اليوم التالي مسؤولية تبدأ اليوم؛ فسنوات الحرب خلّفت انقسامات ومظالم ومصالح مرتبطة باستمرارها، وهي تحديات تحتاج إلى معالجة حتى لا تصبح أسباباً لجولة جديدة من القتال. والمطلوب أن تقود هذه التضحيات إلى سلام يستطيع اليمنيون الحفاظ عليه، وأن يجد من أنهكتهم الحرب فرصة للعودة إلى حياتهم وبناء مستقبلهم؛ عندها يمكن أن تؤسس «فجر اليمن» لمرحلة يستعيد فيها اليمن قدرته على النهوض، ويخرج من دوامة الحروب المتكررة.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد