ناهد الأغا
يشهد الحقل الثقافي السعودي تحوّلات بنيوية متسارعة، تتجلّى في إنشاء مؤسسات متخصصة وإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمثقف والموروث، وفي قلب هذه التحوّلات يبرز سؤال الأنثروبولوجيا بوصفه حقلًا معرفيًا يقع بين العلوم الاجتماعية والإنسانيات، ويدرس الإنسان السعودي في علاقته بالأرض والذاكرة والتحوّل.
وفي الثامنة من مساء الثلاثاء، التاسع والعشرين من سبتمبر 2026، كان مركز سرد الثقافي في الرياض على موعد مع لحظة هادئة، عميقة في أثرها، وهناك دُشّن منتدى أنثروبولوجيا الثقافة.
ولا يمكن قراءة هذا التدشين بمعزل عن سياقه المؤسسي، ففي العاشر من مارس 2026 صدر قرار مجلس الوزراء بالموافقة على تأسيس المعهد الملكي للأنثروبولوجيا والدراسات الثقافية، ووصف معالي وزير الثقافة الأمير بدر بن عبدالله بن فرحان الخطوة بأنها «منصة علمية سعودية توثق تراثنا وتعمق الوعي بثقافتنا من خلال الأبحاث الأنثروبولوجية والدراسات الثقافية» ويأتي المنتدى حلقة وصل بين المعهد الملكي والوزارة والجامعات ومراكز البحوث والمثقفين والمهتمين بالتراث.
ويهدف المنتدى إلى تأسيس فضاء معرفي متخصص لدراسة الثقافة السعودية من منظور أنثروبولوجي، يتقاطع فيه البحث العلمي مع الذاكرة الجمعية، وتُقرأ فيه الممارسات الثقافية والحكايات الشفاهية واللهجات والعادات بوصفها أنساقًا دالة على التحولات الاجتماعية، وتمثلات الإنسان لذاته ومجتمعه ومكانه، كما ويسعى إلى بناء معرفة أعمق بالموروث الثقافي، بوصفه نتاجًا تاريخيًا يعكس تنوع البيئات والتجارب الإنسانية التي أسهمت في تشكيل المجتمع.
وما أعجبني في هذا المنتدى، أنه لم يقدّم نفسه بوصفه نهاية، بل بداية، ولم يقل «نحن هنا»، بل قال «من هذه الأرض تبدأ الحكاية»، وهذه جملة مفتوحة على المستقبل، وقد استُهل برنامج التدشين بجلسة بعنوان «الصويان: الإنسان وعلم الإنسان»، استضافت الدكتور نايف آل نمرة، وأدارها الأستاذ الدكتور زهير الشهري، وتناولت الجلسة المسيرة العلمية والإنسانية للصويان، وإسهاماته في دراسة الموروث الثقافي السعودي وتوثيقه وقراءته في سياقه الاجتماعي والإنساني، إلى جانب جهوده في حفظ جوانب مهمة من الذاكرة الثقافية والاجتماعية للمجتمع السعودي.
وفي سياق هذه الانطلاقة جاء تكريم الصويان تقديرًا لمنجز علمي أسهم في ترسيخ حضور البحث الأنثروبولوجي في دراسة الثقافة والمجتمع السعودي، وتوثيق جوانب من الموروث والذاكرة الاجتماعية، ويكتسب التكريم دلالته من الاحتفاء بالمنجز المعرفي، وبأهمية الجهد البحثي الذي ينتقل بالموروث من دائرة التداول الشفهي إلى فضاء التوثيق والتحليل والدراسة العلمية.
وتتقاطع هذه الرسالة مع الحراك الثقافي الذي تشهده المملكة في إطار رؤية السعودية 2030، ولا سيما ما يتصل بصون التراث، وتعزيز المشاركة الثقافية، وتنمية القطاعات الثقافية والمعرفية، وقد أعادت الرؤية تعريف الثقافة بوصفها «من مقومات جودة الحياة»، وأولت القيادة اهتمامًا بالقطاع الثقافي لتحقيق ركائزها الإستراتيجية في بناء مجتمع حيوي واقتصاد مزدهر ووطن طموح، فتحوّلت القصص الشعبية، والحرف التقليدية، واللهجات المحلية، والممارسات الزراعية والرعوية القديمة، إلى موضوعات معرفية تستحق التأمل لجمالها.

