عبدالعزيز التميمي
حين يُذكر جبران خليل جبران، يتبادر إلى الذهن ذلك الأديب الذي تجاوز حدود اللغة والجغرافيا، فغدا اسماً عالمياً يقرأه العربي بلغته، ويقرأه الغربي بلغته، ويجد فيه كل إنسان شيئاً من ذاته.
فقد كان جبران، شاعراً وفيلسوفاً ورسّاماً، لكن الشعر ظل النهر الذي جرت فيه أفكاره، والنافذة التي أطلّ منها على الإنسان والحياة والوجود.
لم يكن جبران، شاعراً تقليدياً يقف عند حدود الوزن والقافية، بل كان يرى أن الشعر رسالة قبل أن يكون صناعة، وأن الكلمة الصادقة تستطيع أن تغيّر قلب الإنسان أكثر مما تستطيع القوة أن تغيّر الواقع.
لذلك جاءت قصائده مفعمة بالصدق، بعيدة عن التكلف، قريبة من الروح، حتى أصبح الكثير من عباراته حِكماً تتداولها الأجيال.
كان الإنسان هو محور عالم جبران الشعري؛ فلا فرق عنده بين غني وفقير، ولا بين قوي وضعيف، لأن الكرامة الإنسانية هي القيمة العليا التي ينبغي أن يسمو إليها الجميع.
وقد عبّر عن ذلك بقوله «ويلٌ لأمةٍ تلبس مما لا تنسج، وتأكل مما لا تزرع، وتشرب مما لا تعصر».
وفي هذه الكلمات لا يكتفي جبران بالنقد، بل يدعو إلى العمل والإنتاج والاعتماد على الذات، ويربط كرامة الأمم بقدرتها على البناء والعطاء.
أما الحرية، فهي النغمة الدائمة في شعره ونثره. لم يكن يقصد الحرية السياسية وحدها، بل حرية الفكر، وحرية الضمير، وحرية الإنسان من الخوف والتعصب والجهل. وكان يرى أن الحرية تبدأ من داخل النفس، وأن الإنسان لا يصبح حراً إلا إذا تحرّر من عبودية الشهوات والأوهام.
ولعل الحب هو أجمل الألوان في شعر جبران. فهو لا يراه علاقة عابرة بين رجل وامرأة، وإنما قوة كونية تسمو بالإنسان نحو الكمال.
يقول في كتابه الشهير النبي: «إذا أومأ إليكم الحب فاتبعوه، وإن كانت مسالكه شاقةً ومنحدرة».
ويضيف: «المحبة لا تعطي إلا نفسها، ولا تأخذ إلا من نفسها».
في هاتين العبارتين تختصر فلسفة جبران، في الحب؛ فهو عطاء لا يعرف المصلحة، ورسالة لا تبحث عن مقابل، وطريق قد يكون شاقاً، لكنه يقود إلى النضج الإنساني.
وكانت الطبيعة عند جبران، أكثر من مجرد أشجار وأنهار وجبال؛ كانت كتاباً مفتوحاً يقرأ فيه أسرار الخالق، ويرى فيها انعكاساً لنقاء الروح.
لذلك امتلأت قصائده بصور الأرز والينابيع والغيوم والطيور، حتى أصبحت الطبيعة شريكاً دائماً للإنسان في أفراحه وأحزانه.
وفي شعره نزعة صوفية واضحة، حيث يرى أن العبادة الحقة في الرحمة والعمل الصالح وخدمة الإنسان. ولذلك لم يكن شعره يدعو إلى الفرقة، بل إلى المحبة الجامعة بين البشر جميعاً.
ومن أشهر ما تغنّى به الناس من كلمات جبران قصيدة «المواكب»، التي لحّن وغنّى جزءاً منها كبار الفنانين، وفيها يقول:
أعطني النايَ وغنِّ
فالغنا سرُّ الوجودِ
وأنينُ النايِ يبقى
بعد أن يفنى الوجودُ
لقد أصبحت هذه الأبيات رمزاً للإيمان بأن الفن أسمى من صخب الحياة، وأن الموسيقى والشعر قادران على تخليد ما تعجز عنه القوة والزمن.
ولم يقتصر أثر جبران، على الأدب العربي، بل امتد إلى الأدب العالمي، إذ تُرجمت مؤلفاته إلى عشرات اللغات، ولا يزال كتاب «النبي» من أكثر الكتب انتشاراً في العالم، لما يحمله من حكمة إنسانية تتجاوز اختلاف الأديان والثقافات والأوطان.
إنّ سرّ خلود جبران، لا يكمن في جمال لغته وحده، بل في صدق رسالته. فقد كتب للإنسان أينما كان، وآمن بأن المحبة أقوى من الكراهية، وأن الحرية أسمى من الاستبداد.
ولذلك بقي جبران، حاضراً بعد أكثر من قرن على انطلاق مسيرته الأدبية؛ فما زالت كلماته تُقرأ، وأفكاره تُناقش، وشعره يُنشد، وكأن الزمن لم يستطع أن يطوي صفحاته. فالأدباء العظام لا يرحلون برحيل أجسادهم، وإنما يعيشون في ضمير الإنسانية، وجبران خليل جبران، واحد من أولئك الذين منحوا الكلمة روحاً، ومنحوا الإنسان أملاً، ومنحوا الأدب رسالة خالدة لا يحدها زمان ولا مكان.

