كما كان للتغيير المستمر في شخوص وأجهزة مراقبة هذه الجهات دور في تواضع فعاليتها، خصوصاً مع غياب الحوافز، فما الذي يجعل من يديرها لأن يبذل جهوداً أكثر مما هو متوقع منه، بغية الكشف عن جرائم، خصوصاً مع انتشار الشعور بأن أموال الجمعيات ليست بحكم الأموال العامة، بل هي أموال المساهمين من سكان المنطقة، الذين لا تدفعهم مساهماتهم المالية المتواضعة، إلى الاهتمام بطريقة إدارة جمعياتهم.
سبق أن كتبت قبل سنوات عن فضيحة قيام عدد من الجمعيات الخيرية، بالحصول على تراخيص فتح مقاهٍ، ومطاعم ومحال بيع زهور وهدايا داخل عشرات المستشفيات والمراكز الطبية، دون مقابل، وحتى نظافة المكان وإيصال التيار الكهربائي والماء كانا على حساب الدولة، وفجأة تبيّن أن هذه المواقع، التي حصلت عليها الجمعيات، تم تأجيرها من الباطن، مقابل مبالغ زهيدة، لبعض أعضاء مجلس الأمة، من المنتمين إلى حزبهم الديني، ونُشرت أسماؤهم في الصحف، وفي مضابط مجلس الأمة، بعد ملاحقتنا لهم، في حينه، وكشفتهم، وما نتج عن ذلك من إلغاء تلك العقود، واستبدالها بعقود أفضل.
قبل أيام، وفي العهد الجديد، تبيّن أن هذه الأماكن يمكن أن يشكل تأجيرها مورداً جيداً لخزينة الدولة، فقد دفعت شركة مقهى «كاريبو»، مثلاً، مبلغ 906 آلاف دينار سنوياً، مقابل إدارة مقهى داخل مستشفى السرطان الجديد، كما حصلت شركة الغنيم، التي تمتلك علامة «كوفي بين»، على حق إدارة مقهى في مركز الراشد للحساسية، وآخر في مركز أسنان الفروانية، مقابل إيجار شهري يبلغ 406 آلاف دينار سنوياً، كما حصلت شركة المطاحن على حق استغلال مقهى في مستشفى الرازي، مقابل مبلغ سنوي قدره 258 ألف دينار، كما فازت شركة «كوفي بين» أيضاً بعقد إدارة حوانيت مجمع الوزارات بقيمة مليون و254 ألف دينار سنوياً.
كل هذه الأرقام الضخمة تبيّن ما كان من الممكن إيراده لخزينة الدولة، لو كانت الذمم بغير ذلك الاتساع الكبير.
ولم يكن غريباً بالتالي ما اكتشفته وزارة الشؤون المشرفة على الجمعيات التعاونية، وبعد سنوات من التساهل، عن قيام جمعيات تعاونية بترسية مواقع مطاعم وجبات سريعة، وشركات بيع عصائر ومشروبات، مقابل مبالغ لا تتعدى الـ1500 دينار، شهرياً، ليتبيّن بعدها أن من فاز بعقود إدارتها، كان يقوم بتأجيرها بالباطن لمستثمرين آخرين، مقابل مبالغ شهرية تتراوح بين 8000 و10000 دينار شهرياً! وهذا ما دفع الوزارة إلى مطالبة الجمعيات بتحريك قضايا ضد أصحاب عقود الإيجار، ومطالبتهم بإخلاء تلك المواقع، حيث إن العقد كان ينص صراحة على منع «التأجير بالباطن». والسؤال: أين كان مراقبو الوزارة وجيش مفتشيها من هذه السرقات الكبيرة، التي استمر بعضها لأكثر من 14 عاماً؟
ملايين الدنانير ضاعت على مساهمي هذه الجمعيات، وربما لن تتمكن الوزارة من استرداد شيء منها، وغالباً لن يعاقب أي مسؤول عن هذا الإهمال والتقاعس.
نعيد ونكرر للمرة العاشرة بأن نظام إدارة ومراقبة الجمعيات، التي تتعامل بالأموال الكبيرة، يدفع من يديرونها نحو الفساد، مما يتطلب نسف النظام بكامله، وإعادة ترتيبه بشكل أفضل.
ونأمل من خلال قانون الجمعيات التعاونية، المقرر صدوره قريباً، سد بعض ثغرات القانون الحالي.
أحمد الصراف

