منذ الإعلان عن الإطار الذي توصل إليه لبنان وإسرائيل برعاية الولايات المتحدة، عاد اتفاق 17 أيار 1983 إلى الواجهة. خصوم الإطار يعتبرون أن مصيره لن يختلف عن مصير ذلك الاتفاق الذي سقط بعد أقل من عام، فيما يرى مؤيدوه أن الظروف التي أسقطت اتفاق 17 أيار لم تعد موجودة.لكن المقارنة بين التجربتين تحتاج إلى أكثر من شعارات سياسية. فهي تستوجب العودة إلى الظروف التي وُلد فيها اتفاق 17 أيار/ مايو، وإلى البيئة الإقليمية والدولية التي أطاحت به، قبل البحث في ما إن كانت هذه العوامل لا تزال قائمة اليوم.يُختزل اتفاق 17 أيار غالباً في كونه اتفاقاً بين لبنان وإسرائيل، بينما الحقيقة أنه كان جزءاً من إعادة رسم موازين القوى في الشرق الأوسط خلال الحرب الباردة.بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، كانت إسرائيل قد وصلت إلى بيروت، لتصبح أول عاصمة عربية تقع تحت الاحتلال الإسرائيلي. وفي الوقت نفسه، كانت منظمة التحرير الفلسطينية قد خرجت من لبنان بعدما شكّل وجودها العسكري أحد أبرز مبررات الحرب.أما الجيش السوري، الذي كان ينتشر في أجزاء واسعة من لبنان، فقد خرج من معارك البقاع بخسائر كبيرة أمام الجيش الإسرائيلي، بعدما دُمّرت معظم منظومات دفاعه الجوي وأسراب طائراته وتلقى ضربة قاسية أضعفت موقعه العسكري. وكان واضحاً أن نجاح اتفاق 17 أيار كان سيضع الوجود السوري كما النفوذ والدور الإقليمي أمام خطر حقيقي، لأن الاتفاق كان سيؤدي عملياً إلى إنهاء الذريعة السياسية والعسكرية التي استند إليها هذا الوجود منذ عام 1976.بالنسبة إلى دمشق، لم يكن الاتفاق مجرد تفاهم بين لبنان وإسرائيل، بل كان يعني إخراج سوريا من لبنان وتحويله إلى ساحة نفوذ أميركية - إسرائيلية. لهذا، قررت القيادة السورية إسقاط الاتفاق بكل الوسائل. لكن دمشق لم تكن وحدها. في تلك المرحلة، كانت المواجهة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي في ذروتها.رأت واشنطن في اتفاق 17 أيار فرصة لترسيخ نفوذها في المشرق العربي، بينما اعتبره الاتحاد السوفياتي انتصاراً استراتيجياً لخصمه الأميركي.ولذلك اتخذ قراراً بإعادة تسليح الجيش السوري، وتعزيز قدراته العسكرية والسياسية، وإعادة تعويم الدور السوري في لبنان والمنطقة، لمنع واشنطن من تحقيق مكسب استراتيجي دائم على الضفة الشرقية للبحر المتوسط.
17 أيار و"الإطار": هل يتكرّر التاريخ أم أنّ الشرق الأوسط تغيّر؟
مواضيع ذات صلة

