: آخر تحديث

احمد واشكر قبل أن تنتقد

3
4
3

أكثر ما يعلمني السفر ليس جمال المدن، ولا روعة الطبيعة، ولا تنوّع الثقافات، بل قيمة الكويت.

ففي كل مرة أعيش فيها أياماً بين شعوب أخرى، أكتشف أن كثيراً مما نعتبره في الكويت أمراً عادياً وتحصيلَ حاصلٍ، هو بالنسبة لملايين البشر أمنية قد لا تتحقق.

قبل أن تنام في يوم صيفي شديد الحرارة، وتضغط زر المكيف فيعمل فوراً... هذه نعمة.

أن تنقطع الكهرباء بسبب عطل طارئ، فتصل الفرق الفنية خلال وقت قصير، وتُجلب المولدات المتنقلة إذا استدعى الأمر، حتى لا تبقى البيوت بلا كهرباء فترة طويلة... هذه نعمة.

أن تجد الماء متوافراً، والطرق مضاءة، والإسعاف يصل، والخدمات الحكومية تعمل، والأمن مستقراً، والتعليم والعلاج متاحين بكل سهولة ومجاناً... هذه ليست تفاصيل صغيرة، بل هي أسس الحياة التي يفتقدها كثيرون.

ولأننا اعتدنا هذه النعم، أصبحنا لا نراها.

ننتقد تأخّر معاملة، أو ازدحام شارع، أو خللاً مؤقتاً، وهذا حق مشروع، لكن المشكلة تبدأ عندما يحجبنا هذا النقد عن رؤية الصورة الأكبر، فننسى أن هناك شعوباً تتمنى فقط أن تصل إلى المستوى الذي نعيش فيه كل يوم.

قد يقول قائل: وما الفضل في ذلك؟ إنها ثروة النفط.

ردي هو: لو كانت الثروة وحدها تصنع الرفاهية، لما رأينا دولاً تمتلك ثروات نفطية هائلة، بينما لا يزال مواطنوها يعانون من انقطاع الكهرباء، وضعف الخدمات، وتهالك البنية التحتية، وصعوبة الحصول على أبسط مقومات الحياة.

نعم، الثروة تفتح الباب، لكن الإدارة هي التي تعبر منه، وتسهّل على الشعوب، وتخدمها، وتريحها.

نعم، المال يوفّر الإمكانات، لكن الإخلاص في العمل، والتخطيط، واستمرار بناء الدولة، هي التي تحوّل المال إلى مستشفى، ومدرسة، وطريق، ومحطة كهرباء، وشبكة مياه، وأمن، وخدمة يشعر بها المواطن.

الكويت، في تاريخها الحديث، لم تصل إلى ما هي عليه بضربة حظ، ولا ببرميل نفط فقط، بل بجهود حكومات متعاقبة، ومسؤولين، ومهندسين، وفنيين، وموظفين، عملوا على مدى عشرات السنين لبناء دولة خدمات، أصبحت من الأفضل في المنطقة في كثير من المجالات.

وهل يعني هذا أن حكوماتنا كاملة؟ بالطبع لا.

لا توجد حكومة في العالم بلا أخطاء، ولا شعب بلا مطالب، ولا دولة توقفت عن التطوير.

لكن الإنصاف فضيلة.

ومن الإنصاف أن نقول إن الكويت، رغم كل ما نطالب به من إصلاح، فإنها لا تزال توفر لمواطنيها مستوى من الخدمات والاستقرار والاهتمام، يتمنى ملايين البشر أن ينالوا جزءاً منه.

أخشى ما أخشاه أحياناً أن يتحوّل النقد المستمر إلى عادة، فنفقد القدرة على رؤية النعم.

فالإنسان لا يعرف قيمة الكهرباء إلا حين يعيش أياماً بلا كهرباء، ولا يعرف قيمة الأمن إلا حين يخاف ليلاً.

ولا يعرف قيمة الخدمات إلا حين يقف ساعات طويلة بحثاً عن دواء، أو ماء، أو معاملة بسيطة.

لقد علمتني أسفاري أن أكثر الشعوب تذمراً ليست دائماً أكثر الشعوب معاناة، بل أحياناً أكثرها اعتياداً على النعمة.

ولهذا أقولها بكل قناعة: نعم، نطالب بالإصلاح، وننتقد التقصير، ونطمح إلى الأفضل، فهذا حقنا وواجبنا. لكن في الوقت نفسه، يجب ألا يمنعنا ذلك من أن نحمد الله كل يوم على وطن وفّر لنا من مقومات الحياة ما حُرم منه كثيرون، وأن نشكر كل من أسهم، عبر العقود، في بناء هذه الدولة وخدمة أهلها.

فالأوطان لا تُبنى بالنقد وحده، ولا بالتصفيق وحده، وإنما بالعدل، والعدل أن ترى الخطأ فتطالب بإصلاحه، وأن ترى النعمة فتشكرها، وأن ترى الإنجاز فتمنحه حقه.

وهذه، في نظري، هي الوطنية الحقيقية.

سبب المقال: حديث دار مع أصدقاء من لبنان حول ما تقدمه حكوماتنا لشعوبها، فاتضح لي الفارق الشاسع، فرفعت يدي إلى السماء، ودعوت الله أن يحفظ لنا وطننا، ويديم علينا أمننا وأماننا، وراحة بالنا، واستقرارنا، وكل النعم التي تحيط بنا.


إقبال الأحمد


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد