* * *
يبدو أن الحدث أو الخطر الآني هو الذي فرض نفسه، لذا أصبحت إيران هي العدو الأول، فالاهتمام بمعالجة آثار «حادث مروري مروّع» والاهتمام بإنقاذ ضحاياه، أولى من البحث والانشغال بلوم الجهة الحكومية، التي لم تقم بصيانة إشارات المرور، التي تسبّب عطلها في وقوع الحادث، وهكذا تراجعت تدريجياً، سواء بفضل الآراء البريئة للبعض، أو بما روّج له «محبو إسرائيل» من أن «عدو عدوي صديقي»، صورة إسرائيل العدو الأزلي، منذ قرابة مئة عام، لتصبح صديقة، يجب التعاون والتعايش معها، لأنها تحارب من نعادي؟
لست هنا في موضع ترجيح أي الدولتين أكثر خطراً علينا، لأن الخطر يكمن في مكان آخر، وعدم الاهتمام به هو الذي جعل إسرائيل وإيران عدوتين لنا، وحاجتنا إلى من يحمينا، متناسين أنه في عالم البشر، وقبل السياسة والعقيدة الدينية والعواطف، تأتي المصالح في المقدمة، وهي التي تحدّد العلاقات بين الأفراد والدول، فلا أعداء دائمون، ولا أصدقاء دائمون، بل مصالح دائمة، وهذا ما رأيناه عبر التاريخ. وبالتالي، فإن مشكلتنا تكمن في قلّة علمنا، الأمر الذي منعنا من رؤية الحقائق، وجعلنا لقمة سائغة لمن يريد ابتلاعنا. فالعدو ليس إسرائيل ولا إيران، بل نحن أعداء أنفسنا، وهذا الذي «طمّعهم فينا»، لدرجة يخرج فيها نتانياهو، ليعلن بكل وقاحة، أمام مختلف وسائل الإعلام، أن بلاده ستتوسّع على حساب دولنا، حاملاً خريطة تبيّن المناطق العربية، التي تخطّط حكومته للاستيلاء عليها، لعلمه بأسباب ضعفنا، الكامنة في ضعف مخرجات مدارسنا، فمستوى إدراك مخرجاتها لا يتفق ومتطلبات العصر وتحدياته، وبالتالي لا نزال نحصد منذ مئة عام المنتج السيئ نفسه، عاجزين عن إدراك أن كل ما يمثله مزوِّرو الجنسية بيننا من خطر، مادي وأمني، لا يقارن بالخطر، الذي يمثله مزوِّرو الشهادة الدراسية، ومع هذا لا نبذل ما يكفي من جهد لكشفهم، على الرغم من شديد خطرهم على أمن الدولة وعقول مئات آلاف طلبة المدارس، على مدى جيلين، الذين سيعجزون مستقبلاً، عن الوقوف في وجه أمثال إسرائيل وإيران. علماً بأن دور بعض القوى «السياسية الدينية» في تخريب العملية التربوية، وإبقائها ضمن «الحفظ والتكرار»، وتحريم تدريس «التفكير النقدي» Critical Thinking، أمر معروف، فهدفها إبقاء سيطرتها مستمرة إلى الأبد، ونبقى على سكوتنا عنها، لتبقي على تخلفنا.
أحمد الصراف

