: آخر تحديث

السينما العربية في «كان»… حروب صغيرة داخل حكايات النساء

2
3
3

إيلاف من كان: تختتم الليلة فعاليات مهرجان مهرجان كان السينمائي فعاليات دورته التاسعة والسبعين، في نسخة شهدت حضورًا عربيًا محدودًا على مستوى الأفلام المشاركة في الاختيارات الرسمية، سواء من حيث العدد أو من حيث الصدى النقدي والإعلامي داخل المهرجان. ورغم هذا التواجد الخافت، برزت ثلاثة أفلام روائية طويلة حملت ملامح مشتركة، تمحورت حول قضايا النساء والحرب والهوية والهجرة، مقدّمةً سرديات إنسانية تنتمي بوضوح إلى الواقع العربي.

الأفلام الثلاثة التي حضرت في النقاشات النقدية والإعلامية كانت:

«المحطة» للمخرجة سارة إسحاق، و«البارح العين ما نامت» للمخرج راكان مياسي، و«توت الأرض» للمخرجة ليلى المراكشي. ورغم اختلاف البيئات والقصص والأساليب، التقت الأفلام الثلاثة في تقديم صورة للمرأة العربية وهي تواجه أشكالًا متعددة من الانتهاك والضغط الاجتماعي والاقتصادي.

في «المحطة»، الذي يُعد أول فيلم يمني يُعرض في مهرجان كان، تذهب سارة إسحاق إلى قلب الحرب اليمنية، عبر حكاية محطة وقود تتحول إلى مساحة نسائية صغيرة وسط الفوضى والانهيار. الفيلم يقترب من النساء اللواتي يتحملن أعباء الحرب اليومية، ويواجهن الغياب القسري للرجال والمسؤوليات الثقيلة المفروضة عليهن.

أما «البارح العين ما نامت»، فيتناول قصة امرأة شابة تُدفع نحو زواج قسري، في عمل يقترب من الهشاشة النفسية والخوف والسلطة الاجتماعية، بينما يقدّم «توت الأرض» صورة لنساء يعشن على هامش الفقر والاستغلال، في مجتمع يدفعهن إلى خيارات قاسية تحت ضغط الحاجة والهجرة والنجاة.

ورغم محدودية الحضور العربي هذا العام، فإن اللافت أن الأفلام الثلاثة جاءت من خلال رؤى مخرجين اختاروا الاقتراب من النساء بوصفهن مركز الحكاية، لا مجرد شخصيات هامشية، لتتحول هذه الأعمال إلى شهادات إنسانية عن المنطقة العربية أكثر من كونها أفلامًا سياسية مباشرة.

«المحطة»… اليمن خارج نشرات الأخبار

يشكّل فيلم «المحطة» للمخرجة سارة إسحاق أول حضور يمني في مهرجان كان السينمائي، إذ يشارك ضمن قسم «أسبوع النقاد»، مقدّمًا أول تجربة روائية طويلة للمخرجة بعد أعمالها الوثائقية، ومنها «بيت التوت». تدور أحداث الفيلم في اليمن خلال الحرب الأهلية، داخل محطة وقود مخصصة للنساء فقط، تديرها ليال التي تحاول خلق مساحة آمنة بعيدة عن الانقسام السياسي والديني والعنف المحيط.

تتحول المحطة تدريجيًا إلى ملاذ يومي للنساء، ليس فقط للحصول على الوقود النادر، بل أيضًا لتبادل الأحاديث والدعم النفسي ومحاولة التمسك بإيقاع حياة طبيعي وسط الخراب. لكن هذا التوازن الهش يبدأ بالانهيار حين تواجه ليال خطر تجنيد شقيقها الصغير ليث وإرساله إلى الجبهة، في تذكير دائم بكيفية التهام الحرب لحياة الأطفال والمراهقين.

يعتمد الفيلم على العلاقة المتوترة بين ليال وشقيقتها شمس، القادمة من منطقة تخضع للطرف الآخر في النزاع، حيث تتحول الخلافات السياسية إلى توتر عائلي وشخصي يعكس الانقسام اليمني الأوسع. وفي ظل غياب الرجال أو انشغالهم بالحرب، تصبح النساء مسؤولات عن الحماية والرعاية واتخاذ القرارات المصيرية داخل مجتمع أنهكته سنوات الصراع.

صُوّر الفيلم في الأردن بمشاركة عدد كبير من الممثلين غير المحترفين، ويقدّم صورة مختلفة عن اليمن بعيدًا عن التغطيات الإخبارية التقليدية، إذ يبتعد عن مشاهد الحرب المباشرة لصالح عالم نسائي مغلق يحاول التمسك بالحياة والتفاصيل اليومية، في واحدة من أكثر الأفلام العربية الإنسانية والحميمية المشاركة هذا العام.

«البارح العين ما نامت»… الوجه الذي لا يعرفه البعض عن لبنان

يشارك فيلم «البارح العين ما نامت» للمخرج الفلسطيني راكان مياسي ضمن قسم «نظرة ما» في مهرجان كان السينمائي، في أول تجربة روائية طويلة له بعد عدد من الأفلام القصيرة اللافتة. تدور أحداث الفيلم في سهل البقاع اللبناني، داخل مجتمع بدوي تحكمه الأعراف القبلية وقوانين الثأر والشرف، حيث تبدأ الأزمة بعدما يتسبب ياسر، الابن الثاني لعائلة المولى، في مقتل رجل من عشيرة منافسة إثر حادث دهس غير مقصود، ما يهدد باندلاع نزاع دموي بين العائلتين.

في محاولة لاحتواء التوتر، تُقدَّم شقيقتا ياسر كنوع من «تعويض الشرف» إلى العشيرة الأخرى، لتتحول حياتهما إلى رهينة لهدنة هشة تمتد لعدة أيام، بينما تتحدد مصائرهما بعيدًا عن أي قدرة حقيقية على الاختيار. ومن خلال هذه الحكاية، يقترب الفيلم من قضايا الزواج القسري والسلطة الأبوية داخل المجتمعات التقليدية، مقدّمًا وجهًا مختلفًا عن لبنان، بعيدًا عن صورته المعتادة كبلد للحياة والانفتاح.

ويستند الفيلم جزئيًا إلى تجربة شخصية مرتبطة بجدة المخرج، التي أُجبرت على الزواج في سن الرابعة عشرة، ما منح العمل بعدًا عاطفيًا وشخصيًا واضحًا. كما يرتبط الفيلم بفيلم مياسي القصير «أبواق في السماء»، الذي تناول بعض القضايا الاجتماعية ذاتها، وكأنه امتداد بصري ودرامي لعالمه السابق.

صُوّر العمل في شرق لبنان خلال فترة وقف إطلاق نار، بالقرب من الحدود السورية واعتمد مياسي في هذا الفيلم  من دون سيناريو تقليدي مكتمل، وبالاستعانة بممثلين غير محترفين وعائلة بدوية حقيقية ظهرت بأسمائها الحقيقية تقريبًا داخل الفيلم.

ويُعد «البارح العين ما نامت» من أكثر الأفلام العربية تميزًا هذا العام، بفضل بنائه الشاعري والسريالي في بعض مشاهده، خصوصًا مشاهد العرس والخطبة واختيار العريس، إلى جانب مزجه بين الواقعية الاجتماعية والتوتر السياسي المحيط بلبنان، في فيلم يقترب من الحلم والكابوس في آن واحد.

«توت الأرض»… نساء يقطفن الهشاشة

تطرح المخرجة المغربية ليلى المراكشي في فيلمها «توت الأرض» قضية مرتبطة بالهجرة والعمل والاستغلال الاقتصادي، من خلال عمل يشارك ضمن قسم «نظرة ما» في مهرجان كان السينمائي. ويتابع الفيلم رحلة عاملات مغربيات يسافرن إلى إسبانيا للعمل في الزراعة بعد وعود برواتب مرتفعة وفرص حياة أفضل، قبل أن يكتشفن واقعًا مختلفًا قائمًا على ظروف عمل قاسية واقتطاعات مالية مستمرة.

تتمحور القصة حول حسناء، بطلة سابقة في رياضة التايكوندو انتهت مسيرتها إثر فضيحة غامضة، ومريم، الشابة القادمة من الريف المغربي، التي ترافقها في رحلة العمل الموسمي إلى إسبانيا. ومع وصولهما، تواجه الشخصيتان نظامًا معقدًا من الاستغلال يشمل ساعات عمل مرهقة، ورسومًا غير معلنة، وضغوطًا اقتصادية واجتماعية تحاصر العاملات المهاجرات وتدفعهن إلى القبول بواقع هش وغير عادل.

ويركز الفيلم كذلك على آليات السيطرة داخل المزارع، وهشاشة أوضاع العاملات أمام أصحاب العمل والسلطات، وصعوبة الوصول إلى الحماية القانونية أو العدالة. واستندت المراكشي إلى وقائع حقيقية مرتبطة بظروف العاملات الموسميات في منطقة المتوسط، مقدّمة صورة عن مجتمعات نسائية صغيرة تحاول النجاة داخل بيئة لا تمنح الكثير من الخيارات.

ورغم أهمية الموضوع الذي يتناوله «توت الأرض»، فإن الاستقبال الأولي للفيلم بدا أقل حماسة مقارنة بالفيلمين العربيين الآخرين المشاركين هذا العام، إذ رأى بعض النقاد والمتابعين أن العمل يعيد معالجات سبق أن تناولتها أفلام الهجرة والاستغلال الاجتماعي، من دون تقديم قفزة واضحة على مستوى الشكل السينمائي أو المعالجة الدرامية.

ومع ذلك، تواصل الممثلة نسرين الراضي حضورها اللافت في السينما العربية والمهرجانات الدولية، إذ يمثل هذا الفيلم مشاركتها الخامسة في مهرجان كان، مؤكدة مكانتها كواحدة من أبرز الوجوه العربية الحاضرة باستمرار على السجادة الحمراء وفي اختيارات المهرجان الفنية.

وبين الحرب في اليمن، والعنف القبلي في لبنان، والاستغلال الاقتصادي في إسبانيا، تعكس هذه الأفلام الثلاثة تنوع الموضوعات التي حملتها المشاركة العربية هذا العام في «كان». ورغم خفوت الحضور العددي العربي في الدورة الحالية، فإن هذه الأعمال نجحت في إبقاء القصص القادمة من المنطقة ضمن دائرة الاهتمام.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في ترفيه