الكثرةُ ليست دوماً عنوانَ التَّفوق، هي عنصرٌ من عناصرِ التَّفوق - أحياناً - وقد تكون عبئاً إذا كانت كثرةً فوضويةً، أو كثرةً بلا إدارة رشيدة، أو كثرة يائسة، أو كثرة فقيرة، والأمثلة على ذلك من شعوب الأرض اليوم كثيرة، ولا نريد ضربَ المثل وتسميةَ الناس تعففاً عن جارح القول بحق أمم كاملة.
اليوم تخوض إيران؛ بل قل نخبة إيران الحاكمة، حرباً وجودية فاصلة، وفي خضم هذه الحربِ جاء في رسالةٍ بمناسبة «اليوم الوطني للسكان» في إيران، منسوبةٍ للمرشد الإيراني الغائب مجتبى خامنئي، أن من بين «النتائج القيّمة للدفاع المقدس الثالث ونهضة الشعب الإيراني»، صعود إيران إلى مستوى «قوة كبيرة ومؤثرة». لكنَّه ربط ذلك بشرط إكثار النسل الإيراني!
وأشار المرشدُ الإيراني إلى أنَّ قضية زيادة عدد السكان لا تقتصر فقط على معالجة آثار السياسات السكانية السابقة؛ بل تمثل «خياراً استراتيجياً» يمكّن إيرانَ مستقبلاً من تحقيق «قفزات استراتيجية» و«بناء حضارة إيرانية إسلامية حديثة»، على حدّ قوله.
ودعا خامنئي الناشطين والمؤسسات المجتمعية، إلى مواصلة العمل من أجل نشر ثقافة الإنجاب، معتبراً أنَّ ذلك سيكون له «تأثير كبير في تأمين مستقبل البلاد».
اللغة الرسمية للنظام هي الترغيب في زيادة الإنجاب، وبالتالي كثرة الزواج، والتنفير من عدم الإنجاب أي عدم الزواج.
في وقت سابق، حذّر معاونُ وزير الصحة الإيراني للشؤون الصحية من استمرار تراجع معدلات الإنجاب في البلاد، في وقت يشهد فيه المجتمع الإيراني زيادة متسارعة في معدلات الشيخوخة.
عدد سكان إيران اليوم نحو 93 مليون نسمة، وهناك تقديرات تجعل الرقم أقلَّ من ذلك بنحو 4 ملايين نسمة. الخطاب الرسمي في إيران، والإحصاءات المنشورة تشير إلى تراجع في مستوى التوازن السكاني الديمغرافي. وأبرز أسبابِ هذا التراجع - حسب تصريحات إيرانية حكومية - هي:
انخفاض معدلات الزواج، وارتفاع سن تكوين الأسرة، وتغيّر أنماط الحياة، إضافة إلى الضغوط الاقتصادية وتوسع التحضر. وعند هذا السبب الأخير تتجمَّع بقية الأسباب أو تتهمَّش بين يديه، أي قلق الإنسان الإيراني العادي من المستقبل الغامض والمخيف، فأي شاب أو شابة سيفكر بمستقبل مثالي لتكوين أسرة سعيدة؟!
كان عدد سكان إيران وقت وصول الخميني وتلاميذه ومؤيديه إلى الحكم وخلع الشاه عام 1979، 34 مليوناً ونصف مليون. لكن هذا الشعب كان مكتفياً مرتاحاً وآمناً، لست أقول إنه كان في وضع مثالي، لكن من الأكيد أنه أسعد حالاً من جيل الأبناء والأحفاد اليوم.
لنقارن الحال بين النَّاس على ضفتي الخليج؛ شرقاً في إيرانَ، وغرباً في دول الخليج العربية.
يبلغ عدد مواطني دول مجلس التعاون الخليجي نحو 29.5 مليون نسمة، وضعْ مثلهم تقريباً من المقيمين، وطبعاً مركز الثقل السكاني، خصوصاً من المواطنين؛ هو السعودية.
هذا العدد أقل من سكان إيرانَ بنحو ثلاثين مليوناً، لكنَّهم أسعد؛ ليس بسبب أنَّهم أغنى، فثروات إيران بما فيها النفط والغاز في مستوى دول الخليج العربية، علاوة على ثروات إيرانية أخرى. الفرق في وجود الحكم الرشيد، والحكمة في تدبير حياة الناس.
إذن الكثرة ليست دوماً عنوان التفوق.
قال الصحابي الحجازي الشاعر، عباس بن مرداس السلمي:
فَما عِظَمُ الرِجالِ لَهُم بِفَخرٍ ولكن فَخرُهُم كَرَمٌ وَخَيرُ
بُغاثُ الطَيرِ أَكثَرُها فِراخاً وَاُمُّ الصَقرِ مِقلاةٌ نَزورُ

