في مقال سابق، تناولت الدور المحوري الذي يلعبه صندوق الاستثمارات العامة في قيادة التحول الاقتصادي في المملكة، ليس فقط من خلال حجم استثماراته، بل عبر تأثيره في تنويع الاقتصاد، وخلق الفرص، وتعزيز موقع المملكة على خارطة الاستثمار العالمي.
واليوم، ومع موافقة سمو سيدي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان -حفظه الله- رئيس مجلس إدارة صندوق الاستثمارات العامة، على استراتيجية الصندوق للفترة 2026–2030، يتضح أن هذا الدور لم يعد يقتصر على تحفيز النمو، بل يتجه نحو مرحلة أكثر تقدمًا: بناء منظومة استثمار متكاملة قادرة على جذب رأس المال، وإدارته، وتعظيم أثره داخل الاقتصاد.
فالتحول الحقيقي لا يُقاس بعدد المشاريع أو حجم الاستثمارات فقط، بل بمدى قدرة هذه الاستثمارات على خلق بيئة مستدامة تجعل رأس المال يستقر ويتوسع، ويتحول من تدفق مالي إلى قيمة اقتصادية طويلة الأمد.
خلال دراستي في جامعة دبلن، والتي ركزت بشكل دقيق على الاستثمار وأثره على الاقتصاد، تشكّل لدي فهم أعمق لطبيعة الاستثمار، ليس بوصفه تدفقًا لرأس المال فحسب، بل كمنظومة متكاملة تتطلب إدارة مستمرة عبر دورة حياته. فالعلاقة مع المستثمر تبدأ من فهم دوافعه واحتياجاته، وتمر بتهيئة البيئة الممكنة لنجاحه، وصولًا إلى دمجه كشريك طويل الأمد يساهم في خلق قيمة حقيقية داخل الاقتصاد. وهذا الفهم لم يعد نظريًا، بل نراه اليوم يتجسد بوضوح في المملكة، حيث لم يعد الاستثمار يُدار كفرص منفصلة، بل كمنظومة مترابطة تهدف إلى تعظيم الأثر الاقتصادي واستدامته.
وانطلاقًا من هذا الفهم، يصبح الاستثمار الأجنبي المباشر (FDI) أكثر من مجرد تدفقات مالية، بل أداة لإعادة تشكيل الاقتصاد. فهو ينقل المعرفة، ويرفع الإنتاجية، ويُعيد بناء سلاسل القيمة، ويخلق بيئة تنافسية تدفع الشركات المحلية إلى التطور، كما يسهم في بناء قطاعات جديدة لم تكن موجودة سابقًا.
وهنا تظهر نقطة جوهرية كثيرًا ما يتم تجاهلها: المشكلة لم تعد في جذب المستثمر.. بل في خسارته بعد دخوله.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية تطوير أدوات أكثر تقدمًا في إدارة الاستثمار، من أبرزها بناء نظام متكامل لتتبع المستثمر (Investor Journey Tracking)، وربطه بآليات المواءمة الذكية (Matchmaking) مع الفرص الاستثمارية.
هذا النوع من الأنظمة لا يختصر الوقت فقط، بل يرفع جودة الاستثمار، ويحوّل تدفق الفرص من عشوائي إلى موجه واستراتيجي. فبدلًا من عرض الفرص بشكل عام، يصبح بالإمكان ربط المستثمر بالقطاع الأنسب له، وتوجيهه نحو الشراكات المناسبة، ومتابعة تقدمه داخل السوق، مما يزيد من احتمالية تحوّل الاهتمام إلى استثمار فعلي واستمراره على المدى الطويل.
وإذا كان صندوق الاستثمارات العامة قد لعب دورًا محوريًا في إطلاق مشاريع كبرى، فإن استراتيجيته الجديدة تعكس انتقالًا واضحًا نحو تعظيم الأثر الاقتصادي. وقد أشار معالي محافظ صندوق الاستثمارات العامة، الأستاذ ياسر الرميان، في التصريحات الرسمية المصاحبة للاستراتيجية، إلى تركيز الصندوق على رفع كفاءة الاستثمارات، وتعزيز العائد، وتمكين القطاع الخاص، والإسهام بشكل أكبر في تنويع الاقتصاد.
وفي هذا الإطار، لا يمكن قراءة مشاريع مثل Lucid Motors أو طيران الرياض كاستثمارات منفصلة، بل كنماذج عملية لهذا التوجه. فمشروع Lucid لا يقتصر على إنشاء مصنع، بل يرتبط ببناء صناعة جديدة، وتطوير سلاسل الإمداد، وتأهيل الكفاءات الوطنية في قطاع متقدم تقنيًا. كما أن طيران الرياض يعكس توجّهًا نحو بناء منظومة متكاملة في قطاع الطيران، تشمل التشغيل والخدمات والبنية التحتية، بما يسهم في رفع كفاءة القطاع وتعزيز دوره في الاقتصاد.
هذه النماذج تعكس بوضوح انتقال الصندوق من دور المستثمر في المشاريع إلى دور المُمكّن لقطاعات كاملة، وهو ما يتماشى مع توجهه نحو تعظيم الأثر الاقتصادي، وليس فقط تحقيق العوائد.
كما أن الاستثمارات الدولية للصندوق لم تعد تُقرأ فقط من زاوية العائد المالي، بل كأداة استراتيجية لنقل المعرفة، وبناء الشراكات، وتعزيز موقع المملكة في الاقتصاد العالمي. وهذا ما يجعل النقاش حول الاستثمار في السعودية اليوم يتجاوز سؤال: هل تم جذب رأس المال؟ إلى سؤال أكثر نضجًا: ما نوع الاقتصاد الذي يسهم هذا الاستثمار في بنائه؟
وهنا يتضح التحول الأهم: ما يحدث اليوم في المملكة لا يمثل سباقًا على الاستثمار، بل إعادة تعريف لكيفية إدارته.
فالتجارب العالمية تثبت أن الدول التي تنجح في جذب الاستثمار طويل الأجل ليست بالضرورة الأعلى عائدًا، بل الأكثر وضوحًا واستقرارًا، والأقدر على إدارة العلاقة مع المستثمر. وما تعكسه استراتيجية صندوق الاستثمارات العامة اليوم هو إدراك عميق لهذه المعادلة، وانتقال من مرحلة «إطلاق المشاريع» إلى مرحلة «إدارة الأثر الاقتصادي».
في النهاية، لا يُقاس نجاح الاستثمار بحجم الأموال التي تدخل، بل بقدرة الاقتصاد على تحويلها إلى قيمة مستدامة. فالاستثمار لا يبدأ عند دخول رأس المال.. بل عند القدرة على إبقائه جزءًا من الاقتصاد.

