: آخر تحديث

جواز سفر خليجي للشاحنات

2
4
3

في ظل التحولات الاقتصادية المتسارعة التي تشهدها دول مجلس التعاون الخليجي، تبرز كفاءة سلاسل الإمداد كعامل حاسم في تعزيز تنافسية الاقتصاد لاسيما في القطاع الصناعي. لقد قطعت دول الخليج شوطاً مهماً في مسار التكامل الاقتصادي، بدءاً من الاتحاد الجمركي وتوحيد التعرفة، وصولاً إلى تسهيل حركة السلع بين الدول، إلا أن الواقع العملي يكشف أن حركة الشاحنات -التي تمثل العمود الفقري للتجارة البينية- لا تزال تواجه تحديات تشغيلية تؤثر بشكل مباشر على الكفاءة والتكلفة.

اليوم ومع دخول المملكة مرحلة متقدمة من تنفيذ رؤية 2030، لم يعد تطوير البنية التحتية وحده كافياً، بل أصبح التركيز على كفاءة التشغيل ضرورة لا تقل أهمية؛ حيث تشير التقديرات إلى أن سوق الخدمات اللوجستية في المملكة تجاوز 130 مليار دولار، مع توقعات ببلوغه نحو 200 مليار دولار بحلول عام 2030 بحسب "أرقام إنتليجنس"، كما تستهدف الإستراتيجية الوطنية للنقل والخدمات اللوجستية رفع مساهمة القطاع في الناتج المحلي إلى 10 %، وبحسب الموقع نفسه بلغ حجم مناولة الحاويات في عام 2024م 7.52 ملايين حاوية، ومن المتوقع في عام 2030م زيادة حجم المناولة إلى أكثر من 40 مليون حاوية، إن تحقيق هذا الهدف يتطلب تنسيقاً غير مسبوق بين الأنظمة الرقمية والبنية التحتية المادية؛ فهذه الأرقام تعكس بوضوح أن القطاع اللوجستي لم يعد نشاطاً خدمياً مكملاً، بل أصبح ركيزة أساسية في تحقيق النمو الصناعي وتنويع الاقتصاد.

وعلى الرغم من كل هذه الاستثمارات إلا أنه لا تزال هناك فجوة في كفاءة النقل البري بين دول الخليج، حيث تتفاوت الإجراءات التشغيلية، ويستمر زمن الانتظار عند بعض المنافذ لساعات طويلة، وقد يتجاوز في أوقات الذروة يوماً كاملاً. وكما هو معلوم أن هذا التأخير سينعكس سلباً على تكاليف الإنتاج والتشغيل والتسليم؛ خصوصاً إذا كان في بيئة صناعية تعتمد على الإنتاج المستمر وسلاسل الإمداد السريعة؛ بل إن تكاليف النقل والتأخير قد تمثل نسبة تصل إلى 20 % من تكلفة المنتج في بعض الصناعات.

لقد شهدت المملكة خلال الفترة الأخيرة وخصوصاً في ظل إغلاق مضيق هرمز، تطوراً ملحوظاً في كفاءة الإجراءات اللوجستية وتسريع حركة الشاحنات عبر بعض المنافذ، مدعوماً بالتحول الرقمي والتكامل بين الجهات المعنية، هذه التحسينات تعكس توجهاً عملياً نحو رفع كفاءة التشغيل وتقليل زمن العبور، وهي خطوات مهمة في مسار تطوير القطاع. ومع أهمية هذه المبادرات، إلا أنها لا تزال تمثل تحسينات تشغيلية ضمن الإطار القائم، وليست نموذجاً متكاملاً قائماً على توحيد هوية الشاحنات أو منحها نظام اعتماد موحداً على مستوى إقليمي. وهو ما يعزز الحاجة إلى الانتقال من مرحلة تحسين الإجراءات إلى تبني نموذج مؤسسي أكثر شمولاً، يحقق التكامل الأمثل في حركة النقل البري بين دول الخليج. وهنا تبرز الحاجة إلى تبني مفهوم "جواز السفر الخليجي للشاحنات"، كإطار عملي يهدف إلى توحيد مواصفات الشاحنات ومعاييرها الفنية، واعتماد شركات النقل وفق نظام خليجي موحد، وربط المنافذ الحدودية إلكترونياً بشكل كامل، وتطبيق التخليص المسبق للشحنات، وتخصيص مسارات سريعة للشاحنات المعتمدة؛ بما يتيح انتقال الشاحنات بين دول المجلس بكفاءة مماثلة للتنقل داخل دولة واحدة.

وعند النظر إلى التجارب الدولية في هذا المجال، يبرز نظام "TIR النقل البري الدولي" كأحد أبرز النماذج التي تتيح للشاحنات العبور بين عشرات الدول باستخدام وثيقة موحدة، مع تقليل إجراءات التفتيش وتكرار المعاملات على الحدود. وقد أثبت فعاليته في تسريع حركة النقل الدولي وخفض التكاليف، خصوصاً في المسارات الطويلة بين أوروبا وآسيا.

ومع ذلك، فإن هذا النظام يركز بالدرجة الأولى على تسهيل عبور الشحنات عبر الدول "الترانزيت"، ولا يصل إلى مستوى التكامل التشغيلي المثالي الذي تحتاجه المنطقة الخليجية، سواء من حيث توحيد مواصفات الشاحنات، أو اعتماد الشركات الناقلة، أو تخصيص مسارات عبور سريعة داخل منظومة اقتصادية موحدة.

ومن هنا، فإن فكرة "جواز السفر الخليجي للشاحنات" لا تمثل بديلاً عن نظام "TIR"، بل تطويراً إقليمياً متقدماً عليه، يأخذ في الاعتبار خصوصية السوق الخليجية، ودرجة التكامل الاقتصادي بين دولها، بما يتيح الانتقال من مجرد تسهيل العبور إلى إدارة موحدة وفعّالة لحركة النقل البري داخل المنطقة.

ولا شك أن تطبيق هذا النموذج من شأنه أن يحقق مكاسب اقتصادية ملموسة، من أبرزها:

1- تقليل زمن العبور بشكل كبير.

2- خفض تكاليف النقل وسلاسل الإمداد.

3- تحسين إدارة المخزون في المصانع.

4- تعزيز التكامل الصناعي بين دول الخليج.

كما أن تحسين كفاءة النقل البري سيسهم في دعم نمو قطاعات واعدة، مثل التجارة الإلكترونية والخدمات اللوجستية الذكية، التي تشهد توسعاً سريعاً في المملكة.

تسعى رؤية 2030 إلى ترسيخ مكانة المملكة كمركز لوجستي عالمي يربط بين ثلاث قارات، وهو هدف لا يمكن تحقيقه دون منظومة نقل عالية الكفاءة، متكاملة إقليمياً، وسريعة الاستجابة. ومن هذا المنطلق، فإن تطوير نظام موحد لحركة الشاحنات بين دول الخليج لا يعد مجرد تحسين إجرائي، بل يمثل أداة تنفيذية مباشرة لتحقيق مستهدفات الرؤية، ودعم برامجها، وعلى رأسها برنامج تطوير الصناعة الوطنية والخدمات اللوجستية.

أخيراً، المقومات متوفرة، والاستثمارات قائمة، والإرادة السياسية واضحة. وما تحتاجه المرحلة المقبلة هو الانتقال من تطوير الأصول إلى تعظيم كفاءة التشغيل؛ فـ"جواز السفر الخليجي للشاحنات" ليس فكرة نظرية، بل خطوة عملية نحو رفع كفاءة الاقتصاد، وتعزيز تنافسية الصناعة، وتسريع وتيرة التكامل الخليجي. والسؤال اليوم لم يعد هل نحتاج هذه الخطوة؟ بل متى نبدأ بتنفيذها؟


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد