منذ سنوات والمهتمون بالتعليم والتنمية البشرية يكتبون عن أهمية توافق مخرجات التعليم الجامعي مع متطلبات سوق العمل. كان هذا الموضوع يتصدر ويتكرر في كل حوار يناقش قضية التوظيف والبطالة. يعود هذا الموضوع المهم من جديد إلى ساحة الحوار بعد تداول خبر عن إقدام إحدى الجامعات إلغاء برامج العلوم الإنسانية بمبرر أن سوق العمل لا يحتاج لخريجي تخصصات هذه العلوم وكأن دور الجامعات ينحصر في توفير الموظفين للقطاعات المختلفة.
يبدو أن أصحاب القرار في الجامعات التي بدأت تتكيف مع احتياجات سوق العمل، وهو تكيف مطلوب ومهم، لكنها ربما بالغت في هذا الاتجاه على حساب العلوم الإنسانية وهي في هذه الحالة ينطبق عليها المثل الشعبي (إما سراجين أو ظلما).
إن أهمية العلوم التي تخدم سوق العمل لا تلغي أهمية العلوم الإنسانية التي تخدم الإنسان في هويته ولغته وقيمه وتاريخه ومسؤولياته الأسرية والمجتمعية، الجامعات تتعدى مسؤولياتها التأهيل العلمي المتخصص وسوق العمل إلى الدراسات والبحوث التي تساهم في الإثراء العلمي وإثراء الفكر والثقافة وتقديم الحلول والمبادرات لقضايا المجتمع التنموية المختلفة.
الحديث عن مخرجات التعليم والمطالبة بتوافقها مع الاحتياجات المتجددة لسوق العمل حديث منطقي لكن هذا لا يعني أن العلوم الإنسانية انتفت الحاجة إليها، الجامعات ليست مهمتها تخريج الإنسان الآلة المحمل بالمهارات المهنية، الإنسان الواعي المثقف الذي يملك مهارات التواصل والمسؤولية الاجتماعية ومهارة التفكير الإيجابي هو نتاج تكامل بين العلوم الطبيعية والتقنية والعلوم الإنسانية، هذا التكامل يتفق مع مسؤوليات الجامعات.
إن الجامعات، وهي مصدر للمعرفة والمبادرات والحلول التي تخدم مسارات التنمية المختلفة، تستطيع إيجاد حل متوازن يحقق مفهوم التكامل بين العلوم المختلفة، وألا يكون هاجس التوظيف هو المؤثر الرئيس في قرارات الجامعات المتعلقة بالبرامج والتخصصات، لأن مسؤوليات الجامعات أشمل من ذلك بكثير.

