كانت «البيرتة» صفة أو مرتبة اجتماعية مصدقة. «فالبيروتي» رجل مضى على انتقاله إلى العاصمة ما يكفي لكسب تقاليدها وحسن مظاهرها، من السيارة إلى الإناقة إلى عادات أهل المدن، مثل ارتياد دور المسرح والسينما ومقاهي المثقفين.
فجأة انقلبت معالم بيروت وجوهرها. وصار البيروتي هو المتظاهر والمعتصم وزعيم حركة الشعب العامل. وطفق اليسار يخطب في المدينة ويكتب على جدرانها ويرفع شعاراتها. واختلط الظرفاء اللماحون بالمالحين الذين بغير ذي ظرف.
البيارتة الجدد كانوا على عجل. يريدون ماركس وساطع الحصري وجورج حبش في دفعة واحدة. ووجوه مشوربة عابسة لا تحتمل خفة الابتسام وجدية القضية. وصار البيروتي الجديد هو الذي يعقد شاربيه غضباً في الروشة أو يخففها قليلاً في «فيصل».
خيّل إلى بيروت الجديدة أن الحرب مناوشة في مقاهي الروشة. لكن النضال حمل معه خشونة النضال، ثم عسكرة النضال. ثم معارك المناضلين. ثم تدافعوا من أنحاء الحاضرة والبادية، وطابت لهم مقاهي بيروت بأسرار الليل وبلاغة العصر. ومن دون أن يدروا كانت بيروت أخرى تنشأ في الضواحي وعلى الهوامش. أناس يوقرون «الأستاذ» و«الحكيم» و«البك» لكنهم ضمناً يسخرون من رويّتهم وتأملاتهم ومرحلة الإخفاق التي طالت. قامت في بيروت مدينة كيفما اتفق. وتسللت الفوضى. وسر الرومانسيون لمظاهر العنف وطفوليتها المضحكة. وكان كثيرون على قناعة شبه مقدسة بشأن «القضية» سوف تخرج إلى النصر ذات يوم من «الهورس شو» بقيادة منح الصلح، هازئاً من عبقريته، ضانكاً بما حل به من إعاقات.
بعد بيروت الفنون والشعر والمسرح قامت بيروت الحلم القومي والنزاعات الصعبة. ومن حولها مائة بيروت أخرى. يوم الأربعاء الماضي دكت بيروت في كل خواصرها. النيران لا تزال تشعل في ثوبها، وإسرائيل لا تزال تدك في جسدها، والبيروتي الجديد يسأل: من أين الطريق إلى فلسطين؟

